منتديات نجوم ديزنى
منتديات نجوم ديزنى
منتديات نجوم ديزنى
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول

يتم الان تعديل المنتدى

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» كتاب : لطائف المعارف
كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 1:30 am من طرف Mr-Khaled

» فتوى الشيخ عبد الله بن جبرين في الاحتفال بعيد الحب
كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 1:12 am من طرف Mr-Khaled

» فتاوى مهمة للتائبين
كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 1:04 am من طرف Mr-Khaled

» لماذا انتي حزينه لكل أنسان مهم ‏
كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 12:55 am من طرف Mr-Khaled

» قصة نزول القران
كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 12:53 am من طرف Mr-Khaled

» افضال و فوائد الصيام
كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 12:52 am من طرف Mr-Khaled

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

 

 كتاب : لطائف المعارف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Mr-Khaled

Mr-Khaled


عدد المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 22/07/2009
الموقع : المملكة العربية السعودية
العمل/الترفيه : طالب
المزاج : عاشق

كتاب : لطائف المعارف Empty
مُساهمةموضوع: كتاب : لطائف المعارف   كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 1:23 am

كتاب : لطائف المعارف

كتاب : لطائف المعارف Liv-040726-6-1

أن الله تعالى يحب أهله ويباهي بهم الملائكة، ويستجيب دعائهم روى الطبراني وغيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي r قال: ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم ـ فذكر منهم الذي له امرأة حسناء وفراش حسن فيقوم من الليل، فيقول الله تعالى: يذر شهوته فيذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام من السحر في سراء وضراء)، وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي r قالثلاثة يحبهم الله ـ فذكر منهم ـ وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي) وصححه الترمذي. وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي r قال: عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته، فيقول ربنا تبارك وتعالى: يا ملائكتي ! انظروا إلى عبدي ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله عز وجل وانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام وماله في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي، وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه) رواه أحمد وذكر بقية الحديث. وقوله ثار فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم، ويروى من حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي r قال: (إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر رجل قام من جوف الليل، فأحسن الطهور فصلى، ورجل نام وهو ساجد، ورجل في كتيبة منهزمة فهو على فرس جواد، لو شاء أن يذهب لذهب) وخرجه ابن ماجة من رواية مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي r قال: (إن الله ليضحك إلى ثلاثة: الصف في الصلاة، والرجل يصلي في جوف الليل، والرجل يقاتل أراه قال: خلف الكتيبة).
وروينا من حديث أبان عن أنس عن ربيعة بن وقاص عن النبي r قال: (ثلاث مواطن لا ترد فيها، دعوة رجل يكون في برية حيث لا يراه أحد فيقوم فيصلي فيقول الله لملائكته: أرى عبدي هذا يعلم أن له ربا يغفر الذنب فانظروا ما يطلب ؟ فتقول الملائكة: إي رب رضاك ومغفرتك فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له ورجل يقوم من الليل فيقول الله عز وجل: أليس قد جعلت الليل سكنا والنوم سباتا فقام عبدي هذا يصلي ويعلم أن له ربا فيقول الله لملائكته: انظروا ما يطلب عبدي هذا ؟ فتقول الملائكة: يا رب رضاك ومغفرتك فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له، وذكر الثالث: الذي يكون في فئة فيفر أصحابه ويثبت هو) وهو مذكور أيضا في كل الأحاديث المتقدمة.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر عن النبي r قال: (رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد فيتوضأ، فإذا وضأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الرب عز وجل للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ما سألني عبدي هذا فهو له) وفي الصحيحين أن النبي r قال: (نعم الرجل عبد الله ـ يعني ابن عمر ـ لو كان يصلي من الليل) فكان عبد الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلا.
كان أبو ذر رضي الله عنه يقول للناس: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه ؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم حجوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور، صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير، أين رجال الليل أين الحسن وسفيان؟ قال:

يترجل الليل جدوا
رب داع لا يرد

ما يقوم الليل إلا
من له عزم وجد

ليس شيء كصلاة
الليل للقبر يعد

صلى كثير من السلف صلاة الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة، ومنهم من صلى كذلك أربعين سنة، قال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، قال ثابت: كابدت قيام الليل عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة أخرى.
أفضل قيام الليل وسطه قال النبي r: (أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) وكان رسول الله r (إذا سمع الصارخ يقوم للصلاة) والصارخ: الديك وهو يصيح وسط الليل. وخرج النسائي عن أبي ذر قال: سألت النبي r: أي الليل خير ؟ قال: جوفه) وخرج الإمام أحمد عن أبي ذر قال: سألت النبي r: أي قيام الليل أفضل ؟ قال: (جوف الليل الغابر أو نصف الليل وقليل فاعله)، وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله! أي الصلاة أفضل ؟ قال: (جوف الليل الأوسط) قال: أي الدعاء أسمع ؟ قال: (دبر المكتوبات) وخرجه الترمذي والنسائي ولفظهما: (أنه سأله: أي الدعاء أسمع ؟ قال: (جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات) وخرج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمع النبي r يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) ويروى أن داود عليه السلام قال: يا رب أي وقت أقوم لك ؟ قال: لا تقم أول الليل ولا آخره، ولكن قم وسط الليل حتى تخلوا بي وأخلو بك، وارفع إلي حوائجك .
وفي الأثر المشهور: كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه الليل نام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه ! فها أنا ذا مطلع على أحبابي إذا جنهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم فخاطبوني على المشاهدة وكلموني على حضوري، غدا أقر أعين أحبابي في جناني.

الليل لي ولأحبابي أحادثهم
قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا

لهم قلوب بأسراري بها ملئت
على ودادي وإرشادي لهم طبعوا

سروا فما وهنوا عجزا ولا

ضعفوا وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا

ما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم، هو شفاء قلوبهم ونهاية مطلوبهم.

كتمت اسم الحبيب من العباد
ورددت الصبابة في فؤادي

فيا شوقا إلى بلد خلي
لعلى اسم من أهوى أنادي

كان داود الطائي يقول في الليل: همك عطل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات.
وكان عتبة الغلام يقول في مناجاته بالليل: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب.

لوأنك أبصرت أهل الهوى
إذا غارت الأنجم الطلع

فهذا ينوح على ذنبه
وهذا يصلي وذا يركع

من لم يشاركهم في هواهم ويذوق حلاوة نجواهم، لم يدر ما الذي أبكاهم، من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب.

من لم يبت والحب حشو فؤاده
لم يدر كيف تفتت الأكباد

كان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وسط الليل للمحبين للخلوة بمناجاة حبيبهم، والسحر للمذنبين للاستغفار من ذنوبهم، فوسط الليل خاص لخلوة الخواص، والسحر عام لرفع قصص الجميع، وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج، فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن مشاركة المذنبين في استغفارهم واعتذارهم، صحائف التائبين خدودهم ومدادهم دموعهم.
قال بعضهم: إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم رسائل الأسحار تحمل ولا يدري بها الفلك وأجوبتها ترد إلى الأسرار ولا يعلم بها الملك.

صحائفنا إشارتنا
وأكثر رسلنا الحرق

لأن الكتب قد تقرأ
بغير الدمع لا تثق

لا تزال القصص تستعرض ويوقع بقضاء حوائج أهلها إلى أن يطلع الفجر، ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب دعوته؟ إلى أن ينفجر الفجر. فلذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله.

نحن الذين إذا أتانا سائل
نوليه إحسانا وحسن تكرم

ونقول في الأسحار هل من تائب
مستغفر لينال خير المغنم

الغنيمة تقسم على كل من حضر الوقعة، فيعطي منها الرجالة والأجراء والغلمان مع الأمراء والأبطال والشجعان والفرسان، فما يطلع فجر الأجر إلا وقد حاز القوم الغنيمة وفازوا بالفخر وحمدوا عند الصباح السرى، وما عند أهل الغفلة والنوم خبر مما جرى كان بعض الصالحين يقوم الليل، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته يا أيها الركب المعرسون! أكل هذا الليل ترقدون! ألا تقومون فترحلون، فإذا سمع الناس صوته وثبوا من فرشهم، فيسمع من هنا باك، ومن هنا داع، ومن هنا تال، ومن هنا متوضىء، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته : عنـد الصبــاح يحمـد القـوم الســرى.

يا نفس قومي فقد نام الورى
إن تصنعي الخير فذوالعرش يرى

وأنت يا عين دعي عنك الكرى
عند الصباح يحمد القوم السرى

يا قوام الليل اشفعوا في النوام، يا أحياء القلوب ترحموا على الأموات، قيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل ؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم. وقيل للحسن: قد أعجزنا قيام الليل ؟ قال: قيدتكم خطاياكم، وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك، قال الحسن: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.
قال بعض السلف: أذنبت ذنبا فحرمت به قيام الليل ستة أشهر. ما يؤهل الملوك للخلوة بهم إلا من أخلص في ودهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل المخالفة فلا يؤهلونه. في بعض الآثار: إن جبريل عليه السلام ينادي كل ليلة أقم فلانا وأنم فلانا.
قام بعض الصالحين في ليلة باردة وعليه ثياب،رثة، فضربه البرد فبكى، فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم ثم تبكي علينا!

يا حسنهم والليل قد جنهم
ونورهم يفوق نور الأنجم

ترنموا بالذكر في ليلهم
فعيشهم قد طاب بالترنم

قلوبهم للذكر قد تفرغت
دموعهم كلؤلؤ منظم

أسحارهم بهم لهم قد أشرقت
وخلع الغفران خير القسم

الليل منهل يرده أهل الإرادة كلهم، ويختلفون فيما يردون ويريدون، قد علم كل أناس مشربهم، فالمحب يتنعم بمناجاة محبوبه، والخائف يتضرع لطلب العفو ويبكي على ذنوبه، والراجي يلح في سؤال مطلوبه، والغافل المسكين أحسن الله عزاءه في حرمانه وفوات نصيبه، قال النبي r لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) مرضت رابعة مرة، فصارت تصلي وردها بالنهار فعوفيت وقد ألفت ذلك وانقطع عنها قيام الليل، فرأت ذات ليلة في نومها كأنها أدخلت إلى روضة خضراء عظيمة، وفتح لها فيها باب دار فسطع منها نور، حتى كاد يخطف بصرها فخرج منها،وصفاء كأن وجوههم اللؤلؤ، بأيديهم مجامر، فقالت لهم امرأة كانت مع رابعة: أين تريدون ؟ قالوا: نريد فلانا قتل شهيدا في البحر فنجمره، فقالت لهم: أفلا تجمرون هذه المرأة ـ تعني رابعة ـ فنظروا إليها وقالوا: قد كان لها حظ في ذلك فتركته، فالتفتت تلك المرأة إلى رابعة وأنشدت:

صلاتك نور والعباد رقود
ونومك ضد للصلاة عنيد

كان بعض العلماء يقوم السحر، فنام عن ذلك ليالي فرأى في منامه رجلين وقفا عليه، وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك، يا من كان له قلب فانقلب! يا من كان له وقت مع الله فذهب! قيام السحر يستوحش لك، صيام النهار يسائل عنك، ليالي الوصال تعاتبك على الجهر.

تغير تموعنا بصحبة غيرنا
وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا

وأقسمتموا أن لا تحولوا عن الهوى
فحلتم عن العهد القديم وما حلنا

ليالي كنا نستقي من وصالكم
وقلبي إلى تلك الليالي قد حنا

قيل للنبي r: إن فلانا نام حتى أصبح ؟ فقال: (بال الشيطان في أذنه)،كان سري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلمة الليل ماذا فات من فاته خير الليل؟ لقد حصل أهل الغفلة والنوم على الحرمان والويل.
كان بعض السلف يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال له: قم فصل، ثم قال له: أما علمت أن مفاتح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها، هم خزانها، وكان آخر يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال: ما لك قصرت في الخطبة؟ أما علمت أن المتهجد إذا قام إلى تهجده قالت الملائكة: قام الخاطب إلى خطبته. ورأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها: زوجيني نفسك قالت: أخطبني إلى ربي، وأمهرني، قال: ما مهرك ؟ قالت: طول التهجد.
نام ليلة أبو سليمان فأيقظته حوراء وقالت: يا أبا سليمان تنام وأنا أربىّ لك في الخدور من خمسمائة عام!. واشترى بعضهم من الله تعالى حوراء بصداق ثلاثين ختمة، فنام ليلة قبل أن يكمل الثلاثين فرآها في منامه تقول له:

أتخطب مثلي وعني تنام
ونوم المحبين عني حرام

لأنا خلقنا لكل امرىء
كثير الصلاة براه الصيام

كان النبي r يطرق باب فاطمة وعلي ويقول: (ألا تصليان) وفي الحديث: (إذا استيقظ الرجل وأيقظ أهله فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات)
كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.

يا راقد الليل كم ترقد
قم يا حبيبي قد دنا الموعد

وخذ من الليل وأوقاته
وردا إذا ما هجع الرقد

من نام حتى ينقضي ليله
لم يبلغ المنزل أو يجهد

قل لأولي الألباب أهل التقى
قنطرة العرض لكم موعد




المجلس الثاني في يوم عاشوراء
في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن يوم عاشوراء، فقال: ما رأيت رسول الله r صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم ـ يعني يوم عاشوراء ـ وهذا الشهر ـ يعني رمضان) يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة، وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء عليهم السلام، وقد صامه نوح وموسى عليهما السلام كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وروي عن إبراهيم الهجري، عن أبي عياض عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم) خرجه بقي بن مخلد في مسنده. وقد كان أهل الكتاب يصومونه وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه، قال دلهم بن صالح: قلت لعكرمة: عاشوراء ما أمره ؟ قال: أذنبت قريش في الجاهلية ذنبا فتعاظم في صدورهم، فسألوا ما توبتهم ؟ قيل: صوم عاشوراء يوم العاشر من المحرم.
وكان للنبي r في صيامه أربع حالات:
الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي r يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه، فترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء أفطره) وفي رواية للبخاري وقال رسول الله r: (من شاء فليصمه ومن شاء أفطر).
الحالة الثانية: أن النبي r لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له، وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه، وأمر الناس بصيامه، وأكد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يصوّمونه أطفالهم، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم رسول الله r المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله r: (ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله r: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله r وأمر بصيامه) وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي r بأناس من اليهود قد صاموا عاشوراء فقال: (ما هذا من الصوم ؟ ! قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله عز وجل موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عز وجل، فقال النبي r: (أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصوم).وفي (الصحيحين) عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي r أمر رجلا من أسلم: أن أذن في الناس: (من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء (وفيهما أيضا) عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله r غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: (من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها، حتى يكون عند الإفطار. وفي رواية: فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة نلهيهم حتى يتموا صومهم، وفي الباب أحاديث كثيرة جدا. وخرج الطبراني بإسناد فيه جهالة أن النبي r كان يدعو يوم عاشوراء برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة، فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: لا ترضعوهم إلى الليل وكان ريقه r يجزئهم .
وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا أم كان سنة متأكدة ؟ على قولين مشهورين، ومذهب أبي حنيفة: أنه كان واجبا حينئذ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وأبي بكر الأثرم. وقال الشافعي رحمه الله بل كان متأكد الاستحباب فقط وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم.
الحالة الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي r أمر الصحابة بصيام يوم عاشوراء وتأكيده فيه، وقد سبق حديث عائشة في ذلك وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صام النبي r عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك ذلك. وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وفي رواية لمسلم: إن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله r صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله r: (إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) وفي رواية له أيضا: (فمن أحب منكم أن يومه فليصمه، ومن كره فليدعه) وفي الصحيحين أيضا عن معاوية قال: سمعت رسول الله r يقول: (هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر) وفي رواية لمسلم التصريح برفع آخره وفي رواية للنسائي أن آخره مدرج من قول معاوية وليس بمرفوع، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال في يوم عاشوراء: هو يوم كان رسول الله r يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك وفي رواية (أنه تركه) وفيه أيضا: عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله r يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا عنده.
وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث قيس بن سعد قال: أمرنا رسول الله r بصيام عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا) وفي رواية: ونحن نفعله. فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي r لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه، فإن كان أمره r بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب، فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء رضي الله عنهم، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد. فقد قيل: إنه زال التأكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله. وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ما يدل على أن أصل استحباب صيامه زال. وقال سعيد بن المسيب: لم يصم رسول الله r عاشوراء. وروي عنه عن سعد بن أبي وقاص والمرسل أصح. قاله الدارقطني.وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد.
وممن روي عنه صيامه من الصحابة عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد وابن عباس وغيرهم، ويدل على بقاء استحبابه قول ابن عباس رضي الله عنهما: لم أر رسول الله r يصوم يوما يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان. وابن عباس إنما صحب النبي r بآخرة وإنما عقل منه r من آخر أمره، وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رجلا سأل النبي r عن صيام عاشوراء ؟ فقال: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) وإنما سأله عن التطوع بصيامه، فإنه سأله أيضا عن صيام يوم عرفة وصيام الدهر، وصيام يوم وفطر يوم، وصيام يوم،وفطر يومين ، فعلم أنه إنما سأله عن صيام التطوع. وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها: أن النبي r لم يكن يدع صيام يوم عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر) وخرجه أبوداود إلا أن عنده عن بعض أزواج النبي r غير مسماة.
الحالة الرابعة: أن النبي r عزم في آخر عمره على أن لا يصومه مفردا بل يضم إليه يوما آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله r عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى؟ فقال رسول الله r: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع) قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله r. وفي رواية له أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر) يعني عاشوراء. وخرجه الطبراني ولفظه: (إن عشت إلى قابل صمت التاسع مخافة أن يفوتني عاشوراء). وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي r قال: (صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوما وبعده يوما) وجاء في رواية: (أوبعده) فإما أن تكون (أو) للتخيير، أو يكون شكا من الراوي، هل قال قبله أو بعده. وروي هذا الحديث بلفظ آخر وهو: (لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله ويوم بعده) يعني عاشوراء. وفي رواية أخرى: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، ولآمرن بصيام يوم قبله ويوم بعده) يعني عاشوراء أخرجهما الحافظ أبو موسى المديني.
وقد صح هذا عن ابن عباس من قوله من رواية ابن جريج قال: أخبرنا عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود صوموا التاسع والعاشر. قال الإمام أحمد: أنا أذهب إليه. وروي عن ابن عباس: أنه صام التاسع والعاشر، وعلل بخشية فوات عاشوراء. وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه كان يصوم عاشوراء في السفر ويوالي بين اليومين خشية فواته. وكذلك روي عن أبي إسحاق أنه صام يوم عاشوراء ويوما قبله ويوما بعده وقال: إنما فعلت ذلك خشية أن يفوتني. وروي عن ابن سيرين أنه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطا. وروي عن ابن عباس والضحاك أن يوم عاشوراء هو تاسع المحرم. قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنه اليوم العاشر إلا ابن عباس. فإنه قال: إنه التاسع. وقال الإمام أحمد في رواية الميموني: لا أدري هو التاسع أو العاشر ولكن نصومهما، فإن اختلف في الهلال صام ثلاثة أيام احتياطا. وابن سيرين يقول ذلك وممن رأى صيام التاسع والعاشر: الشافعي رضي الله عنه وأحمد وإسحاق وكره أبو حنيفة إفراد العاشر بالصوم.
وروى الطبراني من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول الناس: إنما كان يوما تستر فيه الكعبة، وتقلس فيه الحبشة عند النبي r. وكان يدور في السنة، فكان الناس يأتون فلانا اليهودي يسألونه، فلما مات اليهودي أتوا زيد بن ثابت فسألوه، وهذا فيه إشارة إلى أن عاشوراء ليس هو في المحرم، بل يحسب بحساب السنة الشمسية، كحساب أهل الكتاب. وهذا خلاف ما عليه عمل المسلمين قديما وحديثا.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي r كان يعد من هلال المحرم ثم يصبح يوم التاسع صائما. وابن أبي الزناد لا يعتمد على ما ينفرد به، وقد جعل الحديث كله عن زيد بن ثابت وآخره لا يصلح أن يكون من قول زيد، فلعله من قول من دونه، والله أعلم. وكان طائفة من السلف يصومون عاشوراء في السفر، منهم ابن عباس وأبو إسحاق والزهري. وقال: رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت. ونص أحمد على أن يصام عاشوراء في السفر. وروى عبد الرزاق في كتابه عن إسرائيل عن سماك بن حرب عن معبد القرشي قال: كان النبي r بقُديد، فأتاه رجل فقال له النبي r: أطعمت اليوم شيئا ليوم عاشوراء ؟ قال لا إلا أني شربت ماء، قال: فلا تطعم شيئا حتى تغرب الشمس، وأمر من وراءك أن يصوموا هذا اليوم) ولعل المأمور كان من أهل قُديد. وروى بإسناده عن طاووس أنه كان يصوم عاشوراء في الحضر ولا يصومه في السفر.
ذكر صيام الوحش والهوام في عاشوراء
ومن أعجب ما ورد في عاشوراء أنه كان يصوم الوحش والهوام، وقد روي مرفوعا: (أن الصرد أول طير صام عاشوراء) خرجه الخطيب في تاريخه، وإسناده غريب. وقد روى ذلك عن أبي هريرة، وروي عن فتح بن شخرف قال: كنت أفت للنمل الخبز كل يوم، فلما كان عاشوراء لم يأكلوه، وروي عن القادر بالله الخليفة العباسي أنه جرى له مثل ذلك، وأنه عجب منه فسأل أبا الحسن القزويني الزاهد فذكر له أن يوم عاشوراء تصومه النمل. وروى أبو موسى المديني بإسناده عن قيس بن عباد قال: بلغني أن الوحش كانت تصوم عاشوراء. وبإسناد له عن رجل أتى البادية يوم عاشوراء فرأى قوما يذبحون ذبائح فسألهم عن ذلك فأخبروه أن الوحوش صائمة وقالوا: اذهب بنا نرك فذهبوا به إلى روضة فأوقفوه قال: فلما كان بعد العصر، جاءت الوحوش من كل وجه فأحاطت بالروضة رافعة رؤوسها إلى السماء ليس شيء منها يأكل حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعا فأكلت.
وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: بين الهند والصين أرض كان بها بطة من نحاس على عمود من نحاس، فإذا كان يوم عاشوراء مدت منقارها فيفيض من منقارها ماء يكفيهم لزروعهم ومواشيهم إلى العام المقبل. ورئي بعض العلماء المتقدمين في المنام فسئل عن حاله فقال: غفر لي بصيام عاشوراء ستين سنة. وفي رواية: (ويوم قبله ويوم بعده). وذكر عبد الوهاب الخفاف في كتاب الصيام: قال سعيد، قال قتادة: كان يقال: صوم عاشوراء كفارة لما ضيع الرجل من زكاة ماله. وقد روي: إن عاشوراء كان يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأنه كان عيدا لهم. ويروى أن موسى عليه السلام كان يلبس فيه الكتان ويكتحل فيه بالإثمد، وكان اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد رسول الله r يتخذونه عيدا وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم في ذلك وكانوا يسترون فيه الكعبة.
ولكن شرعنا ورد بخلاف ذلك، ففي الصحيحين عن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود وتتخذه عيدا، فقال رسول الله r: (صوموه أنتم)، وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم فقال رسول الله r: (فصوموه أنتم) وخرجه النسائي وابن حبان وعندهما فقال رسول الله r: (خالفوهم فصوموه). وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيدا وعلى استحباب صيام أعياد المشركين، فإن الصوم ينافي اتخاذه عيدا، فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر معه كما تقدم، فإن في ذلك مخالفة لهم في كيفية صيامه أيضا، فلا تبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكلية. وعلى مثل هذا يحمل ما خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان من حديث أم سلمة أن النبي r كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: (إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم) فإنه إذا صام اليومين معا خرج بذلك عن مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم كل طائفة ليومها منفردا، وصيامه فيه مخالفة لهم في اتخاذه عيدا، ويجمع بذلك بين هذا الحديث وبين حديث النهي عن صيام يوم السبت.
وكل ما رُوي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه فموضوع لا يصح. وأما الصدقة فيه فقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من صام عاشوراء فكأنما صام السنة، ومن تصدق فيه كان كصدقة السنة. أخرجه أبو موسى المديني.
وأما التوسعة فيه على العيال فقال حرب: سألت أحمد عن الحديث الذي جاء: من وسع على أهله يوم عاشوراء) فلم يره شيئا، وقال ابن منصور: قلت لأحمد: هل سمعت في الحديث: (من وسع على أهله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر السنة) فقال: نعم رواه سفيان بن عيينة عن جعفر الأحمر عن إبراهيم بن محمد عن المنتشر وكان من أفضل أهل زمانه أنه بلغه: أنه من وسع على عياله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته. قال ابن عيينة: جربناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرا. وقول حرب أن أحمد لم يره شيئا إنما أراد به الحديث الذي يروى مرفوعا إلى النبي r، فإنه لا يصح إسناده وقد روي من وجوه متعددة لا يصح منها شيء. وممن قال ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال العقبلي: هو غير محفوظ وقد روي عن عمر من قوله وفي إسناده مجهول لا يعرف.
ذكر الرافضة في اتخاذ عاشوراء مأتما
وأما اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه: فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن دونهم؟.
ومن فضائل يوم عاشوراء: أنه يوم تاب الله فيه على قوم، وقد سبق حديث علي الذي خرجه الترمذي أن النبي r قال لرجل: (إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم، فإن فيه يوما تاب الله على قوم، ويتوب فيه على آخرين)
وقد صح من حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال: سألت عبيد بن عمير عن صيام يوم عاشوراء: فقال المحرم شهر الله الأصم: فيه يوم تيب فيه على آدم فإن استطعت أن لا يمر بك إلا صمته كذا روي عن شعبة عن أبي إسحاق، ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق ولفظه قال: إن قوما أذنبوا فتابوا فيه فتيب عليهم، فإن استطعت أن لا يمر بك إلا وأنت صائم فافعل). ورواه يونس عن أبي إسحاق ولفظه قال: إن المحرم شهر الله وهو رأس السنة تكتب فيه الكتب، ويؤرخ فيه التاريخ، وفيه تضرب الورق، وفيه يوم تاب فيه قوم فتاب الله عليهم، فلا يمر بك إلا صمته) يعني يوم عاشوراء وروى أبو موسى المديني من حديث أبي موسى مرفوعا: هذا يوم تاب الله فيه على قوم فاجعلوه صلاة وصوما) يعني يوم عاشوراء وقال: حسن غريب، وليس كما قال وروى بإسناده عن علي قال: يوم عاشوراء هو اليوم الذي تيب فيه على قوم يونس.
وعن ابن عباس قال: هو اليوم الذي تيب فيه على آدم، وعن وهب: إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: أن مر قومك يتوبوا إلي في أول عشر المحرم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إليّ حتى أغفر لهم. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن عكرمة قال: هو يوم تاب الله فيه على آدم يوم عاشوراء. وروى عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة قال: كنا نتحدث اليوم الذي تيب فيه على آدم يوم عاشوراء، وهبط فيه آدم إلى الأرض يوم عاشوراء، وقوله r في حديث علي ويتوب فيه على آخرين، حث للناس على تجديد التوبة النصوح في يوم عاشوراء، وترجيه لقبول التوبة، فمن تاب فيه إلى الله عز وجل من ذنوبه تاب الله عليه كما تاب فيه على من قبلهم.


ذكر آدم عليه السلام فضله وإخراجه وذريته وأن عاشوراء هو اليوم الذي تاب فيه الله عليه
وقد قال الله تعالى عن آدم: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) وأخبر عنه وعن زوجه أنهما قالا: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابا قال فيه: قولوا كما قال أبوكم آدم عليه السلام: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وقولوا كما قال نوح: (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) وقولوا كما قال موسى: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي) وقولوا كما قال ذو النون: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
واعتراف المذنب بذنبه مع الندم عليه توبة مقبولة، قال الله عز وجل: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم). قال النبي r: (إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه). وفي دعاء الاستفتاح الذي كان النبي r يستفتح به: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). وفي الدعاء الذي علمه النبي r للصديق أن يقوله في صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) وفي حديث شداد بن أوس عن النبي r: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)
الاعتراف يمحو الاقتراف كما قيل:

فإن اعتراف المرء يمحو اقترافه
كما أن إنكار الذنوب ذنوب

لما أهبط آدم من الجنة بكى على تلك المعاهد فيما يروى ثلاثمائة عام وحق له ذلك كان في دار لا يجوع فيها ولا يعرى ولا يظمأ فيها ولا يضحى فلما نزل إلى الأرض أصابه ذلك كله فكان إذا رأى جبريل عليه السلام يتذكر برؤيته تلك المعاهد، فيشتد بكاؤه حتى يبكي جبريل عليه السلام لبكائه، ويقول له: ما هذا البكاء يا آدم فيقول: وكيف لا أبكي وقد أخرجت من دار النعمة إلى دار البؤس، فقال له بعض ولده: لقد آذيت أهل الأرض ببكائك فقال إنما أبكي على أصوات الملائكة حول العرش. وفي رواية قال: إنما أبكي على جوار ربي في دار تربتها طيبة، أسمع فيها أصوات الملائكة. وفي رواية قال: أبكي على دار لو رأيتها لزهقت نفسك شوقا إليها. وروي أنه قال لولده: كنا نسلا من نسل السماء، خلقنا كخلقهم وغذينا بغذائهم، فسبانا عدونا إبليس، فليس لنا فرحة ولا راحة إلا الهم والعناء حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

فحي على جنات عدن فإنها
منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى
نعود إلى أوطاننا ونسلم

لما التقى آدم وموسى عليهما السلام، عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق، والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال النبي r: (إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل).

والله لولا سابق الأقدار
لم تبعد قط داركم عن داري

من قبل النأي جرية المقدار
هل يمحوالعبد ما قضاه الباري

لما ظهرت فضائل آدم عليه السلام على الخلائق بسجود الملائكة له، وبتعليمه أسماء كل شيء، وإخباره الملائكة بها وهم يستمعون له كاستماع المتعلم من معلمه، حتى أقروا بالعجز عن علمه، وأقروا له بالفضل، وأسكن هو وزوجته الجنة، ظهر الحسد من إبليس وسعى في الأذى، وما زالت الفضائل إذا ظهرت تحسد:

لا مات حسادك بل خلدوا
حتى يروا منك الذي يكمد

لا زلت محسودا على نعمة
فإنما الكامل من يحسد

فما زال يحتال على آدم حتى تسبب في إخراجه من الجنة وما فهم الأبله أن آدم إذا خرج منها كملت فضائله ثم عاد إلى الجنة على أكمل من حاله الأول إنما أهلك إبليس العجب بنفسه ولذلك قال أنا خير منه وإنما كملت فضائل آدم باعترافه على نفسه: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) كان إبليس كلما أوقد نار الحسد لآدم فاح بها ريح طيب آدم واحترق إبليس:

وإذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت


ما كان يعرف طيب عرف العود


قال بعض السلف: آدم أخرج من الجنة بذنب واحد وأنتم تعلمون الذنوب وتكثرون منها وتريدون أن تدخلوا بها الجنة:

لا مات حسادك بل خلدوا
حتى يروا منك الذي يكمد

لا زلت محسودا على نعمة
فإنما الكامل من يحسد

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى
درج الجنان بها وفوز العابد

ونسيت أن الله أخرج آدما
منها إلى الدنيا بذنب واحد

احذروا هذا العدو الذي أخرج أباكم من الجنة، فإنه ساع في منعكم من العود إليها بكل سبيل، والعداوة بينكم وبينه قديمة، فإنه ما أخرج من الجنة وطرد عن الخدمة إلا بسبب تكبره على أبيكم، وامتناعه من السجود له لما أمر به وقد أيس من الرحمة وأيس من العود إلى الجنة، وتحقق خلوده في النار فهو يجتهد على أن يخلد معه في النار بني آدم بتحسين الشرك، فإن عجز قنع بما دونه من الفسوق والعصيان، وقد حذركم مولاكم منه، وقد أعذر من أنذر، فخذوا حذركم: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة)
العجب ممن عرف ربه ثم عصاه وعرف الشيطان ثم أطاعه: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا):

رعى الله من نهوى وإن كان ما
رعي حفظنا له العهد القديم فضيعا

وصاحبت قوما كنت أنهاك عنهم
وحقك ما أبقيت للصلح موضعا

لما أهبط آدم إلى الأرض وعد العود إلى الجنة، هو ومن آمن من ذريته واتبع الرسل: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فليبشر المؤمنون بالجنة هي إقطاعهم وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل إلى محمد r: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) إنما خرج الإقطاع عمن خرج عن الطاعة، فأما من تاب وآمن فالإقطاع مردود عليه، المؤمنون في دار الدنيا في سفر جهاد يجاهدون فيه النفوس والهوى، فإذا انقضى سفر الجهاد عادوا إلى وطنهم الأول الذي كانوا فيه في صلب آدم، تكفل الله للمجاهد في سبيله أن يرده إلى وطنه بما نال من أجر أو غنيمة.
وصلت إليكم معشر الأمة رسالة من أبيكم إبراهيم مع نبيكم محمد r، قال رسول الله r: (رأيت ليلة أسري بي إبراهيم فقال: يا محمد أقرىء أمتك السلام وأخبرهم: أن الجنة عذبة الماء، طيبة التربة، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) وخرج النسائي والترمذي عن جابر رضي الله عنه، عن النبي r: من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) وخرج ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس له بكل واحدة شجرة في الجنة) وخرجه الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا، وخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة مرفوعا: (من قال سبحان الله العظيم بني له برج في الجنة) وروي موقوفا وعن الحسن قال: الملائكة يعملون لبني آدم في الجنان، يغرسون ويبنون فربما أمسكوا، فيقال لهم: قد أمسكتم ؟ فيقولون: حتى تأتينا النفقات. وقال الحسن: فأتعبوهم بأبي أنتم وأمي على العمل وقال بعض السلف: بلغني أن دور الجنة تبنى بالذكر فإذا أمسك عن الذكر أمسكوا عن البناء فيقال لهم: فيقولون: حتى تأتينا نفقة.
أرض الجنة اليوم قيعان، والأعمال الصالحة لها عمران، بها تبنى القصور وتغرس أرض الجنان، فإذا تكامل الغراس والبنيان انتقل إليه السكان.
رأى بعض الصالحين في منامه قائلا يقول له: قد أمرنا بالفراغ من بناء دارك، واسمها دار السرور، فأبشر وقد أمرنا بتنجيدها وتزيينها والفراغ منها إلى سبعة أيام، فلما كان بعد سبعة أيام مات، فرؤي في المنام فقال: أدخلت دار السرور فلا تسأل عما فيها لم ير مثل الكريم إذا حل به المطيع، رأى بعضهم كأنه أدخل الجنة وعرض عليه منازله وأزواجه، فلما أراد أن يخرج تعلق به أزواجه وقالوا له: بالله حسن عملك، فكلما حسنت عملك ازددنا نحن حسنا. العاملون اليوم يسلفون رؤوس أموال الأعمال فيما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين إلى أجل يوم المزيد في سوق الجنة فإذا حل الأجل دخلوا السوق فحملوا منه ما شاؤوا بغير نقد ثمن على ما قد سلف من تعجيل رأس مال السلف، لكن بغير مكيال ولا ميزان.
فيا من عزم أن يسلف اليوم إلى ذلك الموسم، عجل بتقبيض رأس المال، فإن تأخير التقبيض يفسد العقد، فلله ذاك السوق الذي هو موعد المزيد لوفد الحب لوكنت منهم فما شئت منه، خذ بلا ثمن له فقد أسلف التجار فيه وأسلموا، في الحديث: (إن الجنة تقول: يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر حريري، وإستبرقي وسندسي ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي، وأباريقي وخمري وعسلي ولبني، فأتني بأهلي وبما وعدتني). وفي الحديث أيضا: من سأل الله الجنة شفعت له الجنة إلى ربها وقالت: اللهم أدخله الجنة) وفي الحديث أيضا: (إن الجنة تفتح في كل سحر ويقال لها: ازدادي طيبا لأهلك، فتزداد طيبا، فذلك البرد الذي يجده الناس في السحر).
قلوب العارفين تستنشق أحيانا نسيم الجنة، قال أنس بن النضر يوم أحد: واها لريح الجنة، والله إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد، ثم تقدم فقاتل حتى قتل:

تمر الصبا صبحا بساكن ذي
الغضا ويصدع قلبي أن يهب هبوبها

قريبة عهد بالحبيب وإنما
هوى كل نفس أين حل حبيبها

كم لله من لطف وحكمه في إهباط آدم إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين واجتهاد العابدين المجتهدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين، يا آدم! إن كنت أهبطت من دار القرب: (فإني قريب أجيب دعوة الداع) إن كان حصل لك بالإخراج من الجنة كسر، فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي،إن كان حصل لك بالإخراج كسر، فانا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، إن كان فاتك في السماء سماع زجل المسبحين، فقد تعوضت في الأرض بسماع أنين المذنبين. أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم، سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده وعاد عليه وبالاً، لقن آدم حجته وألقى إليه ما تقبل به توبته: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وطرد إبليس بعد طول خدمته فصار عمله هباء منثورا: (قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) إذا وضع عدله على عبد لم تبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم تبق له سيئة.

يعطي ويمنع من يشاء كما يشا
وهباته ليست تقارنها الرشا

لما ظهر فضل آدم على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل بدون العمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، وإنما دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى رباط الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، واذرف دموع الأسف على البعاد، فكأنك بالعيش الماضي، وقد عاد على أكمل من ذلك الوجه المعتاد:

عودوا إلى الوصل عودوا
فالهجر صعب شديد

لو ذاق طعم الفراق رضوى
لكاد من وجده يميد

قد حملوني عذاب شوق
يعجز عن حمله الحديد

قلت وقلبي أسير وجد
متيم في الجفا عميد

أنتم لنا في الهوى موال
ونحن في أسركم عبيد

المجلس الثالث في قدوم الحاج
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) مباني الإسلام الخمس، كل واحد منها يكفر الذنوب والخطايا ويهدمها، ولا إله إلا الله لا تبقي ذنبا ولا يسبقها عمل، والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، والحج الذي لا رفث فيه ولا فسوق يرجع صاحبه من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقد استنبط معنى هذا الحديث من القرآن طائفة من العلماء وتأولوا قول الله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) بأن من قضى نسكه ورجع منه، فإن آثامه تسقط عنه إذا اتقى الله عز وجل في أداء نسكه، وسواء نفر في اليوم الأول من يومي النفر متعجلا أو متأخرا إلى اليوم الثاني. وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن النبي r قال: (من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) وفي الصحيحين عن النبي r قال: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) وفي صحيح مسلم عنه r قال: (الحج يهدم ما قبله).
فالحج المبرور: يكفر السيئات ويوجب دخول الجنات، وقد روي أنه r سئل عن بر الحج ؟ فقال: (إطعام الطعام وطيب الكلام) فالحج المبرور ما اجتمع فيه أعمال البر مع اجتناب أعمال الإثم، فما دعا الحاج لنفسه ولا دعا له غيره بأحسن من الدعاء بأن يكون حجه مبرورا، ولهذا يشرع للحاج إذا فرغ من أعمال حجه وشرع في التحلل من إحرامه برمي جمرة العقبة يوم النحر أن يقول: (اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا). وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر من قولهما، وروي عنهما مرفوعا، وكذلك يدعى للقادم من الحج بأن يجعل الله حجه مبرورا. وفي الأثر: أن آدم عليه السلام لما حج البيت وقضى نسكه أتته الملائكة فقالوا له: يا آدم بر حجك لقد حججنا هذا البيت بألفي عام وكذلك كان السلف يدعون لمن رجع من حجه، لما حج خالد الحذاء ورجع قال له أبوقلابة: بر العمل معناه جعل الله عملك مبرورا.
علامات الحج المبرور
للحج المبرور علامات لا تخفى، قيل للحسن: الحج المبرور جزاؤه الجنة ؟ قال: آية ذلك: أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وقيل له: جزاء الحج المغفرة ؟ قال: آية ذلك: أن يدع سيء ما كان عليه من العمل. الحج المبرور مثل حج إبراهيم بن أدهم مع رفيقه الرجل الصالح الذي صحبه من بلخ، فرجع من حجه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وخرج عن ملكه وماله وأهله وعشيرته وبلاده، واختار بلاد الغربة وقنع بالأكل من عمل يده، إما من الحصاد أومن نظارة البساتين، حج مرة مع جماعة من أصحابه فشرط عليهم في ابتداء السفر أن لا يتكلم أحدهم إلا لله تعالى، ولا ينظر إلا له، فلما وصلوا وطافوا بالبيت رأوا جماعة من أهل خراسان في الطواف معهم غلام جميل قد فتن الناس بالنظر إليه، فجعل إبراهيم يسارقه النظر ويبكي، فقال له بعض أصحابه: يا أبا إسحاق ألم تقل لنا: لا ننظر إلا لله تعالى ؟ فقال: ويحك هذا ولدي وهؤلاء خدمي وحشمي:

هجرت الخلق طرا في هواك
وأيتمت العيال لكي أراكا

فلوقطعتني في الحب إربا
لما حن الفؤاد إلى سواكا

قال بعض السلف: استلام الحجر الأسود هو أن لا يعود إلى معصية يشير إلى ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه وصافحه فكأنما صافح الله وقبّل يمينه. وقال عكرمة: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول الله r فمسح الركن فقد بايع الله ورسوله. وورد في حديث: (أن الله لما استخرج من ظهر آدم ذريته وأخذ عليهم الميثاق كتب ذلك العهد في رق، ثم استودعه هذا الحجر فمن ثم يقول: (من يستلمه وفاء بعهدك فمستلم الحجر يبايع الله على اجتناب معاصيه والقيام بحقوقه) (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) يا معاهدينا على التوبة بيننا وبينكم عهود أكيدة أولها: يوم (ألست بربكم) فقلتم بلى، والمقصود الأعظم من هذا العهد: أن لا تعبدوا إلا إياه، وتمام العمل بمقتضاه: أن اتقوا الله حق ت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Mr-Khaled

Mr-Khaled


عدد المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 22/07/2009
الموقع : المملكة العربية السعودية
العمل/الترفيه : طالب
المزاج : عاشق

كتاب : لطائف المعارف Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : لطائف المعارف   كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 1:25 am

كتاب : لطائف المعارف
أن الله تعالى يحب أهله ويباهي بهم الملائكة، ويستجيب دعائهم روى الطبراني وغيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي r قال: ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم ـ فذكر منهم الذي له امرأة حسناء وفراش حسن فيقوم من الليل، فيقول الله تعالى: يذر شهوته فيذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام من السحر في سراء وضراء)، وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي r قالثلاثة يحبهم الله ـ فذكر منهم ـ وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي) وصححه الترمذي. وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي r قال: عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته، فيقول ربنا تبارك وتعالى: يا ملائكتي ! انظروا إلى عبدي ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله عز وجل وانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام وماله في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي، وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه) رواه أحمد وذكر بقية الحديث. وقوله ثار فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم، ويروى من حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي r قال: (إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر رجل قام من جوف الليل، فأحسن الطهور فصلى، ورجل نام وهو ساجد، ورجل في كتيبة منهزمة فهو على فرس جواد، لو شاء أن يذهب لذهب) وخرجه ابن ماجة من رواية مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي r قال: (إن الله ليضحك إلى ثلاثة: الصف في الصلاة، والرجل يصلي في جوف الليل، والرجل يقاتل أراه قال: خلف الكتيبة).
وروينا من حديث أبان عن أنس عن ربيعة بن وقاص عن النبي r قال: (ثلاث مواطن لا ترد فيها، دعوة رجل يكون في برية حيث لا يراه أحد فيقوم فيصلي فيقول الله لملائكته: أرى عبدي هذا يعلم أن له ربا يغفر الذنب فانظروا ما يطلب ؟ فتقول الملائكة: إي رب رضاك ومغفرتك فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له ورجل يقوم من الليل فيقول الله عز وجل: أليس قد جعلت الليل سكنا والنوم سباتا فقام عبدي هذا يصلي ويعلم أن له ربا فيقول الله لملائكته: انظروا ما يطلب عبدي هذا ؟ فتقول الملائكة: يا رب رضاك ومغفرتك فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له، وذكر الثالث: الذي يكون في فئة فيفر أصحابه ويثبت هو) وهو مذكور أيضا في كل الأحاديث المتقدمة.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر عن النبي r قال: (رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد فيتوضأ، فإذا وضأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الرب عز وجل للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ما سألني عبدي هذا فهو له) وفي الصحيحين أن النبي r قال: (نعم الرجل عبد الله ـ يعني ابن عمر ـ لو كان يصلي من الليل) فكان عبد الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلا.
كان أبو ذر رضي الله عنه يقول للناس: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه ؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم حجوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور، صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير، أين رجال الليل أين الحسن وسفيان؟ قال:

يترجل الليل جدوا
رب داع لا يرد

ما يقوم الليل إلا
من له عزم وجد

ليس شيء كصلاة
الليل للقبر يعد

صلى كثير من السلف صلاة الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة، ومنهم من صلى كذلك أربعين سنة، قال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، قال ثابت: كابدت قيام الليل عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة أخرى.
أفضل قيام الليل وسطه قال النبي r: (أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) وكان رسول الله r (إذا سمع الصارخ يقوم للصلاة) والصارخ: الديك وهو يصيح وسط الليل. وخرج النسائي عن أبي ذر قال: سألت النبي r: أي الليل خير ؟ قال: جوفه) وخرج الإمام أحمد عن أبي ذر قال: سألت النبي r: أي قيام الليل أفضل ؟ قال: (جوف الليل الغابر أو نصف الليل وقليل فاعله)، وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله! أي الصلاة أفضل ؟ قال: (جوف الليل الأوسط) قال: أي الدعاء أسمع ؟ قال: (دبر المكتوبات) وخرجه الترمذي والنسائي ولفظهما: (أنه سأله: أي الدعاء أسمع ؟ قال: (جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات) وخرج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمع النبي r يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) ويروى أن داود عليه السلام قال: يا رب أي وقت أقوم لك ؟ قال: لا تقم أول الليل ولا آخره، ولكن قم وسط الليل حتى تخلوا بي وأخلو بك، وارفع إلي حوائجك .
وفي الأثر المشهور: كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه الليل نام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه ! فها أنا ذا مطلع على أحبابي إذا جنهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم فخاطبوني على المشاهدة وكلموني على حضوري، غدا أقر أعين أحبابي في جناني.

الليل لي ولأحبابي أحادثهم
قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا

لهم قلوب بأسراري بها ملئت
على ودادي وإرشادي لهم طبعوا

سروا فما وهنوا عجزا ولا

ضعفوا وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا

ما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم، هو شفاء قلوبهم ونهاية مطلوبهم.

كتمت اسم الحبيب من العباد
ورددت الصبابة في فؤادي

فيا شوقا إلى بلد خلي
لعلى اسم من أهوى أنادي

كان داود الطائي يقول في الليل: همك عطل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات.
وكان عتبة الغلام يقول في مناجاته بالليل: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب.

لوأنك أبصرت أهل الهوى
إذا غارت الأنجم الطلع

فهذا ينوح على ذنبه
وهذا يصلي وذا يركع

من لم يشاركهم في هواهم ويذوق حلاوة نجواهم، لم يدر ما الذي أبكاهم، من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب.

من لم يبت والحب حشو فؤاده
لم يدر كيف تفتت الأكباد

كان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وسط الليل للمحبين للخلوة بمناجاة حبيبهم، والسحر للمذنبين للاستغفار من ذنوبهم، فوسط الليل خاص لخلوة الخواص، والسحر عام لرفع قصص الجميع، وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج، فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن مشاركة المذنبين في استغفارهم واعتذارهم، صحائف التائبين خدودهم ومدادهم دموعهم.
قال بعضهم: إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم رسائل الأسحار تحمل ولا يدري بها الفلك وأجوبتها ترد إلى الأسرار ولا يعلم بها الملك.

صحائفنا إشارتنا
وأكثر رسلنا الحرق

لأن الكتب قد تقرأ
بغير الدمع لا تثق

لا تزال القصص تستعرض ويوقع بقضاء حوائج أهلها إلى أن يطلع الفجر، ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب دعوته؟ إلى أن ينفجر الفجر. فلذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله.

نحن الذين إذا أتانا سائل
نوليه إحسانا وحسن تكرم

ونقول في الأسحار هل من تائب
مستغفر لينال خير المغنم

الغنيمة تقسم على كل من حضر الوقعة، فيعطي منها الرجالة والأجراء والغلمان مع الأمراء والأبطال والشجعان والفرسان، فما يطلع فجر الأجر إلا وقد حاز القوم الغنيمة وفازوا بالفخر وحمدوا عند الصباح السرى، وما عند أهل الغفلة والنوم خبر مما جرى كان بعض الصالحين يقوم الليل، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته يا أيها الركب المعرسون! أكل هذا الليل ترقدون! ألا تقومون فترحلون، فإذا سمع الناس صوته وثبوا من فرشهم، فيسمع من هنا باك، ومن هنا داع، ومن هنا تال، ومن هنا متوضىء، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته : عنـد الصبــاح يحمـد القـوم الســرى.

يا نفس قومي فقد نام الورى
إن تصنعي الخير فذوالعرش يرى

وأنت يا عين دعي عنك الكرى
عند الصباح يحمد القوم السرى

يا قوام الليل اشفعوا في النوام، يا أحياء القلوب ترحموا على الأموات، قيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل ؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم. وقيل للحسن: قد أعجزنا قيام الليل ؟ قال: قيدتكم خطاياكم، وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك، قال الحسن: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.
قال بعض السلف: أذنبت ذنبا فحرمت به قيام الليل ستة أشهر. ما يؤهل الملوك للخلوة بهم إلا من أخلص في ودهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل المخالفة فلا يؤهلونه. في بعض الآثار: إن جبريل عليه السلام ينادي كل ليلة أقم فلانا وأنم فلانا.
قام بعض الصالحين في ليلة باردة وعليه ثياب،رثة، فضربه البرد فبكى، فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم ثم تبكي علينا!

يا حسنهم والليل قد جنهم
ونورهم يفوق نور الأنجم

ترنموا بالذكر في ليلهم
فعيشهم قد طاب بالترنم

قلوبهم للذكر قد تفرغت
دموعهم كلؤلؤ منظم

أسحارهم بهم لهم قد أشرقت
وخلع الغفران خير القسم

الليل منهل يرده أهل الإرادة كلهم، ويختلفون فيما يردون ويريدون، قد علم كل أناس مشربهم، فالمحب يتنعم بمناجاة محبوبه، والخائف يتضرع لطلب العفو ويبكي على ذنوبه، والراجي يلح في سؤال مطلوبه، والغافل المسكين أحسن الله عزاءه في حرمانه وفوات نصيبه، قال النبي r لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) مرضت رابعة مرة، فصارت تصلي وردها بالنهار فعوفيت وقد ألفت ذلك وانقطع عنها قيام الليل، فرأت ذات ليلة في نومها كأنها أدخلت إلى روضة خضراء عظيمة، وفتح لها فيها باب دار فسطع منها نور، حتى كاد يخطف بصرها فخرج منها،وصفاء كأن وجوههم اللؤلؤ، بأيديهم مجامر، فقالت لهم امرأة كانت مع رابعة: أين تريدون ؟ قالوا: نريد فلانا قتل شهيدا في البحر فنجمره، فقالت لهم: أفلا تجمرون هذه المرأة ـ تعني رابعة ـ فنظروا إليها وقالوا: قد كان لها حظ في ذلك فتركته، فالتفتت تلك المرأة إلى رابعة وأنشدت:

صلاتك نور والعباد رقود
ونومك ضد للصلاة عنيد

كان بعض العلماء يقوم السحر، فنام عن ذلك ليالي فرأى في منامه رجلين وقفا عليه، وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك، يا من كان له قلب فانقلب! يا من كان له وقت مع الله فذهب! قيام السحر يستوحش لك، صيام النهار يسائل عنك، ليالي الوصال تعاتبك على الجهر.

تغير تموعنا بصحبة غيرنا
وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا

وأقسمتموا أن لا تحولوا عن الهوى
فحلتم عن العهد القديم وما حلنا

ليالي كنا نستقي من وصالكم
وقلبي إلى تلك الليالي قد حنا

قيل للنبي r: إن فلانا نام حتى أصبح ؟ فقال: (بال الشيطان في أذنه)،كان سري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلمة الليل ماذا فات من فاته خير الليل؟ لقد حصل أهل الغفلة والنوم على الحرمان والويل.
كان بعض السلف يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال له: قم فصل، ثم قال له: أما علمت أن مفاتح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها، هم خزانها، وكان آخر يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال: ما لك قصرت في الخطبة؟ أما علمت أن المتهجد إذا قام إلى تهجده قالت الملائكة: قام الخاطب إلى خطبته. ورأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها: زوجيني نفسك قالت: أخطبني إلى ربي، وأمهرني، قال: ما مهرك ؟ قالت: طول التهجد.
نام ليلة أبو سليمان فأيقظته حوراء وقالت: يا أبا سليمان تنام وأنا أربىّ لك في الخدور من خمسمائة عام!. واشترى بعضهم من الله تعالى حوراء بصداق ثلاثين ختمة، فنام ليلة قبل أن يكمل الثلاثين فرآها في منامه تقول له:

أتخطب مثلي وعني تنام
ونوم المحبين عني حرام

لأنا خلقنا لكل امرىء
كثير الصلاة براه الصيام

كان النبي r يطرق باب فاطمة وعلي ويقول: (ألا تصليان) وفي الحديث: (إذا استيقظ الرجل وأيقظ أهله فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات)
كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.

يا راقد الليل كم ترقد
قم يا حبيبي قد دنا الموعد

وخذ من الليل وأوقاته
وردا إذا ما هجع الرقد

من نام حتى ينقضي ليله
لم يبلغ المنزل أو يجهد

قل لأولي الألباب أهل التقى
قنطرة العرض لكم موعد




المجلس الثاني في يوم عاشوراء
في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن يوم عاشوراء، فقال: ما رأيت رسول الله r صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم ـ يعني يوم عاشوراء ـ وهذا الشهر ـ يعني رمضان) يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة، وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء عليهم السلام، وقد صامه نوح وموسى عليهما السلام كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وروي عن إبراهيم الهجري، عن أبي عياض عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم) خرجه بقي بن مخلد في مسنده. وقد كان أهل الكتاب يصومونه وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه، قال دلهم بن صالح: قلت لعكرمة: عاشوراء ما أمره ؟ قال: أذنبت قريش في الجاهلية ذنبا فتعاظم في صدورهم، فسألوا ما توبتهم ؟ قيل: صوم عاشوراء يوم العاشر من المحرم.
وكان للنبي r في صيامه أربع حالات:
الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي r يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه، فترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء أفطره) وفي رواية للبخاري وقال رسول الله r: (من شاء فليصمه ومن شاء أفطر).
الحالة الثانية: أن النبي r لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له، وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه، وأمر الناس بصيامه، وأكد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يصوّمونه أطفالهم، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم رسول الله r المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله r: (ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله r: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله r وأمر بصيامه) وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي r بأناس من اليهود قد صاموا عاشوراء فقال: (ما هذا من الصوم ؟ ! قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله عز وجل موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عز وجل، فقال النبي r: (أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصوم).وفي (الصحيحين) عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي r أمر رجلا من أسلم: أن أذن في الناس: (من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء (وفيهما أيضا) عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله r غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: (من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها، حتى يكون عند الإفطار. وفي رواية: فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة نلهيهم حتى يتموا صومهم، وفي الباب أحاديث كثيرة جدا. وخرج الطبراني بإسناد فيه جهالة أن النبي r كان يدعو يوم عاشوراء برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة، فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: لا ترضعوهم إلى الليل وكان ريقه r يجزئهم .
وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا أم كان سنة متأكدة ؟ على قولين مشهورين، ومذهب أبي حنيفة: أنه كان واجبا حينئذ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وأبي بكر الأثرم. وقال الشافعي رحمه الله بل كان متأكد الاستحباب فقط وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم.
الحالة الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي r أمر الصحابة بصيام يوم عاشوراء وتأكيده فيه، وقد سبق حديث عائشة في ذلك وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صام النبي r عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك ذلك. وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وفي رواية لمسلم: إن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله r صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله r: (إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) وفي رواية له أيضا: (فمن أحب منكم أن يومه فليصمه، ومن كره فليدعه) وفي الصحيحين أيضا عن معاوية قال: سمعت رسول الله r يقول: (هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر) وفي رواية لمسلم التصريح برفع آخره وفي رواية للنسائي أن آخره مدرج من قول معاوية وليس بمرفوع، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال في يوم عاشوراء: هو يوم كان رسول الله r يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك وفي رواية (أنه تركه) وفيه أيضا: عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله r يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا عنده.
وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث قيس بن سعد قال: أمرنا رسول الله r بصيام عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا) وفي رواية: ونحن نفعله. فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي r لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه، فإن كان أمره r بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب، فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء رضي الله عنهم، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد. فقد قيل: إنه زال التأكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله. وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ما يدل على أن أصل استحباب صيامه زال. وقال سعيد بن المسيب: لم يصم رسول الله r عاشوراء. وروي عنه عن سعد بن أبي وقاص والمرسل أصح. قاله الدارقطني.وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد.
وممن روي عنه صيامه من الصحابة عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد وابن عباس وغيرهم، ويدل على بقاء استحبابه قول ابن عباس رضي الله عنهما: لم أر رسول الله r يصوم يوما يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان. وابن عباس إنما صحب النبي r بآخرة وإنما عقل منه r من آخر أمره، وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رجلا سأل النبي r عن صيام عاشوراء ؟ فقال: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) وإنما سأله عن التطوع بصيامه، فإنه سأله أيضا عن صيام يوم عرفة وصيام الدهر، وصيام يوم وفطر يوم، وصيام يوم،وفطر يومين ، فعلم أنه إنما سأله عن صيام التطوع. وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها: أن النبي r لم يكن يدع صيام يوم عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر) وخرجه أبوداود إلا أن عنده عن بعض أزواج النبي r غير مسماة.
الحالة الرابعة: أن النبي r عزم في آخر عمره على أن لا يصومه مفردا بل يضم إليه يوما آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله r عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى؟ فقال رسول الله r: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع) قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله r. وفي رواية له أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر) يعني عاشوراء. وخرجه الطبراني ولفظه: (إن عشت إلى قابل صمت التاسع مخافة أن يفوتني عاشوراء). وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي r قال: (صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوما وبعده يوما) وجاء في رواية: (أوبعده) فإما أن تكون (أو) للتخيير، أو يكون شكا من الراوي، هل قال قبله أو بعده. وروي هذا الحديث بلفظ آخر وهو: (لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله ويوم بعده) يعني عاشوراء. وفي رواية أخرى: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، ولآمرن بصيام يوم قبله ويوم بعده) يعني عاشوراء أخرجهما الحافظ أبو موسى المديني.
وقد صح هذا عن ابن عباس من قوله من رواية ابن جريج قال: أخبرنا عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود صوموا التاسع والعاشر. قال الإمام أحمد: أنا أذهب إليه. وروي عن ابن عباس: أنه صام التاسع والعاشر، وعلل بخشية فوات عاشوراء. وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه كان يصوم عاشوراء في السفر ويوالي بين اليومين خشية فواته. وكذلك روي عن أبي إسحاق أنه صام يوم عاشوراء ويوما قبله ويوما بعده وقال: إنما فعلت ذلك خشية أن يفوتني. وروي عن ابن سيرين أنه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطا. وروي عن ابن عباس والضحاك أن يوم عاشوراء هو تاسع المحرم. قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنه اليوم العاشر إلا ابن عباس. فإنه قال: إنه التاسع. وقال الإمام أحمد في رواية الميموني: لا أدري هو التاسع أو العاشر ولكن نصومهما، فإن اختلف في الهلال صام ثلاثة أيام احتياطا. وابن سيرين يقول ذلك وممن رأى صيام التاسع والعاشر: الشافعي رضي الله عنه وأحمد وإسحاق وكره أبو حنيفة إفراد العاشر بالصوم.
وروى الطبراني من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول الناس: إنما كان يوما تستر فيه الكعبة، وتقلس فيه الحبشة عند النبي r. وكان يدور في السنة، فكان الناس يأتون فلانا اليهودي يسألونه، فلما مات اليهودي أتوا زيد بن ثابت فسألوه، وهذا فيه إشارة إلى أن عاشوراء ليس هو في المحرم، بل يحسب بحساب السنة الشمسية، كحساب أهل الكتاب. وهذا خلاف ما عليه عمل المسلمين قديما وحديثا.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي r كان يعد من هلال المحرم ثم يصبح يوم التاسع صائما. وابن أبي الزناد لا يعتمد على ما ينفرد به، وقد جعل الحديث كله عن زيد بن ثابت وآخره لا يصلح أن يكون من قول زيد، فلعله من قول من دونه، والله أعلم. وكان طائفة من السلف يصومون عاشوراء في السفر، منهم ابن عباس وأبو إسحاق والزهري. وقال: رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت. ونص أحمد على أن يصام عاشوراء في السفر. وروى عبد الرزاق في كتابه عن إسرائيل عن سماك بن حرب عن معبد القرشي قال: كان النبي r بقُديد، فأتاه رجل فقال له النبي r: أطعمت اليوم شيئا ليوم عاشوراء ؟ قال لا إلا أني شربت ماء، قال: فلا تطعم شيئا حتى تغرب الشمس، وأمر من وراءك أن يصوموا هذا اليوم) ولعل المأمور كان من أهل قُديد. وروى بإسناده عن طاووس أنه كان يصوم عاشوراء في الحضر ولا يصومه في السفر.
ذكر صيام الوحش والهوام في عاشوراء
ومن أعجب ما ورد في عاشوراء أنه كان يصوم الوحش والهوام، وقد روي مرفوعا: (أن الصرد أول طير صام عاشوراء) خرجه الخطيب في تاريخه، وإسناده غريب. وقد روى ذلك عن أبي هريرة، وروي عن فتح بن شخرف قال: كنت أفت للنمل الخبز كل يوم، فلما كان عاشوراء لم يأكلوه، وروي عن القادر بالله الخليفة العباسي أنه جرى له مثل ذلك، وأنه عجب منه فسأل أبا الحسن القزويني الزاهد فذكر له أن يوم عاشوراء تصومه النمل. وروى أبو موسى المديني بإسناده عن قيس بن عباد قال: بلغني أن الوحش كانت تصوم عاشوراء. وبإسناد له عن رجل أتى البادية يوم عاشوراء فرأى قوما يذبحون ذبائح فسألهم عن ذلك فأخبروه أن الوحوش صائمة وقالوا: اذهب بنا نرك فذهبوا به إلى روضة فأوقفوه قال: فلما كان بعد العصر، جاءت الوحوش من كل وجه فأحاطت بالروضة رافعة رؤوسها إلى السماء ليس شيء منها يأكل حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعا فأكلت.
وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: بين الهند والصين أرض كان بها بطة من نحاس على عمود من نحاس، فإذا كان يوم عاشوراء مدت منقارها فيفيض من منقارها ماء يكفيهم لزروعهم ومواشيهم إلى العام المقبل. ورئي بعض العلماء المتقدمين في المنام فسئل عن حاله فقال: غفر لي بصيام عاشوراء ستين سنة. وفي رواية: (ويوم قبله ويوم بعده). وذكر عبد الوهاب الخفاف في كتاب الصيام: قال سعيد، قال قتادة: كان يقال: صوم عاشوراء كفارة لما ضيع الرجل من زكاة ماله. وقد روي: إن عاشوراء كان يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأنه كان عيدا لهم. ويروى أن موسى عليه السلام كان يلبس فيه الكتان ويكتحل فيه بالإثمد، وكان اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد رسول الله r يتخذونه عيدا وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم في ذلك وكانوا يسترون فيه الكعبة.
ولكن شرعنا ورد بخلاف ذلك، ففي الصحيحين عن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود وتتخذه عيدا، فقال رسول الله r: (صوموه أنتم)، وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم فقال رسول الله r: (فصوموه أنتم) وخرجه النسائي وابن حبان وعندهما فقال رسول الله r: (خالفوهم فصوموه). وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيدا وعلى استحباب صيام أعياد المشركين، فإن الصوم ينافي اتخاذه عيدا، فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر معه كما تقدم، فإن في ذلك مخالفة لهم في كيفية صيامه أيضا، فلا تبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكلية. وعلى مثل هذا يحمل ما خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان من حديث أم سلمة أن النبي r كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: (إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم) فإنه إذا صام اليومين معا خرج بذلك عن مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم كل طائفة ليومها منفردا، وصيامه فيه مخالفة لهم في اتخاذه عيدا، ويجمع بذلك بين هذا الحديث وبين حديث النهي عن صيام يوم السبت.
وكل ما رُوي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه فموضوع لا يصح. وأما الصدقة فيه فقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من صام عاشوراء فكأنما صام السنة، ومن تصدق فيه كان كصدقة السنة. أخرجه أبو موسى المديني.
وأما التوسعة فيه على العيال فقال حرب: سألت أحمد عن الحديث الذي جاء: من وسع على أهله يوم عاشوراء) فلم يره شيئا، وقال ابن منصور: قلت لأحمد: هل سمعت في الحديث: (من وسع على أهله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر السنة) فقال: نعم رواه سفيان بن عيينة عن جعفر الأحمر عن إبراهيم بن محمد عن المنتشر وكان من أفضل أهل زمانه أنه بلغه: أنه من وسع على عياله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته. قال ابن عيينة: جربناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرا. وقول حرب أن أحمد لم يره شيئا إنما أراد به الحديث الذي يروى مرفوعا إلى النبي r، فإنه لا يصح إسناده وقد روي من وجوه متعددة لا يصح منها شيء. وممن قال ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال العقبلي: هو غير محفوظ وقد روي عن عمر من قوله وفي إسناده مجهول لا يعرف.
ذكر الرافضة في اتخاذ عاشوراء مأتما
وأما اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه: فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن دونهم؟.
ومن فضائل يوم عاشوراء: أنه يوم تاب الله فيه على قوم، وقد سبق حديث علي الذي خرجه الترمذي أن النبي r قال لرجل: (إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم، فإن فيه يوما تاب الله على قوم، ويتوب فيه على آخرين)
وقد صح من حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال: سألت عبيد بن عمير عن صيام يوم عاشوراء: فقال المحرم شهر الله الأصم: فيه يوم تيب فيه على آدم فإن استطعت أن لا يمر بك إلا صمته كذا روي عن شعبة عن أبي إسحاق، ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق ولفظه قال: إن قوما أذنبوا فتابوا فيه فتيب عليهم، فإن استطعت أن لا يمر بك إلا وأنت صائم فافعل). ورواه يونس عن أبي إسحاق ولفظه قال: إن المحرم شهر الله وهو رأس السنة تكتب فيه الكتب، ويؤرخ فيه التاريخ، وفيه تضرب الورق، وفيه يوم تاب فيه قوم فتاب الله عليهم، فلا يمر بك إلا صمته) يعني يوم عاشوراء وروى أبو موسى المديني من حديث أبي موسى مرفوعا: هذا يوم تاب الله فيه على قوم فاجعلوه صلاة وصوما) يعني يوم عاشوراء وقال: حسن غريب، وليس كما قال وروى بإسناده عن علي قال: يوم عاشوراء هو اليوم الذي تيب فيه على قوم يونس.
وعن ابن عباس قال: هو اليوم الذي تيب فيه على آدم، وعن وهب: إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: أن مر قومك يتوبوا إلي في أول عشر المحرم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إليّ حتى أغفر لهم. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن عكرمة قال: هو يوم تاب الله فيه على آدم يوم عاشوراء. وروى عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة قال: كنا نتحدث اليوم الذي تيب فيه على آدم يوم عاشوراء، وهبط فيه آدم إلى الأرض يوم عاشوراء، وقوله r في حديث علي ويتوب فيه على آخرين، حث للناس على تجديد التوبة النصوح في يوم عاشوراء، وترجيه لقبول التوبة، فمن تاب فيه إلى الله عز وجل من ذنوبه تاب الله عليه كما تاب فيه على من قبلهم.


ذكر آدم عليه السلام فضله وإخراجه وذريته وأن عاشوراء هو اليوم الذي تاب فيه الله عليه
وقد قال الله تعالى عن آدم: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) وأخبر عنه وعن زوجه أنهما قالا: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابا قال فيه: قولوا كما قال أبوكم آدم عليه السلام: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وقولوا كما قال نوح: (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) وقولوا كما قال موسى: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي) وقولوا كما قال ذو النون: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
واعتراف المذنب بذنبه مع الندم عليه توبة مقبولة، قال الله عز وجل: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم). قال النبي r: (إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه). وفي دعاء الاستفتاح الذي كان النبي r يستفتح به: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). وفي الدعاء الذي علمه النبي r للصديق أن يقوله في صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) وفي حديث شداد بن أوس عن النبي r: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)
الاعتراف يمحو الاقتراف كما قيل:

فإن اعتراف المرء يمحو اقترافه
كما أن إنكار الذنوب ذنوب

لما أهبط آدم من الجنة بكى على تلك المعاهد فيما يروى ثلاثمائة عام وحق له ذلك كان في دار لا يجوع فيها ولا يعرى ولا يظمأ فيها ولا يضحى فلما نزل إلى الأرض أصابه ذلك كله فكان إذا رأى جبريل عليه السلام يتذكر برؤيته تلك المعاهد، فيشتد بكاؤه حتى يبكي جبريل عليه السلام لبكائه، ويقول له: ما هذا البكاء يا آدم فيقول: وكيف لا أبكي وقد أخرجت من دار النعمة إلى دار البؤس، فقال له بعض ولده: لقد آذيت أهل الأرض ببكائك فقال إنما أبكي على أصوات الملائكة حول العرش. وفي رواية قال: إنما أبكي على جوار ربي في دار تربتها طيبة، أسمع فيها أصوات الملائكة. وفي رواية قال: أبكي على دار لو رأيتها لزهقت نفسك شوقا إليها. وروي أنه قال لولده: كنا نسلا من نسل السماء، خلقنا كخلقهم وغذينا بغذائهم، فسبانا عدونا إبليس، فليس لنا فرحة ولا راحة إلا الهم والعناء حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

فحي على جنات عدن فإنها
منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى
نعود إلى أوطاننا ونسلم

لما التقى آدم وموسى عليهما السلام، عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق، والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال النبي r: (إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل).

والله لولا سابق الأقدار
لم تبعد قط داركم عن داري

من قبل النأي جرية المقدار
هل يمحوالعبد ما قضاه الباري

لما ظهرت فضائل آدم عليه السلام على الخلائق بسجود الملائكة له، وبتعليمه أسماء كل شيء، وإخباره الملائكة بها وهم يستمعون له كاستماع المتعلم من معلمه، حتى أقروا بالعجز عن علمه، وأقروا له بالفضل، وأسكن هو وزوجته الجنة، ظهر الحسد من إبليس وسعى في الأذى، وما زالت الفضائل إذا ظهرت تحسد:

لا مات حسادك بل خلدوا
حتى يروا منك الذي يكمد

لا زلت محسودا على نعمة
فإنما الكامل من يحسد

فما زال يحتال على آدم حتى تسبب في إخراجه من الجنة وما فهم الأبله أن آدم إذا خرج منها كملت فضائله ثم عاد إلى الجنة على أكمل من حاله الأول إنما أهلك إبليس العجب بنفسه ولذلك قال أنا خير منه وإنما كملت فضائل آدم باعترافه على نفسه: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) كان إبليس كلما أوقد نار الحسد لآدم فاح بها ريح طيب آدم واحترق إبليس:

وإذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت


ما كان يعرف طيب عرف العود


قال بعض السلف: آدم أخرج من الجنة بذنب واحد وأنتم تعلمون الذنوب وتكثرون منها وتريدون أن تدخلوا بها الجنة:

لا مات حسادك بل خلدوا
حتى يروا منك الذي يكمد

لا زلت محسودا على نعمة
فإنما الكامل من يحسد

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى
درج الجنان بها وفوز العابد

ونسيت أن الله أخرج آدما
منها إلى الدنيا بذنب واحد

احذروا هذا العدو الذي أخرج أباكم من الجنة، فإنه ساع في منعكم من العود إليها بكل سبيل، والعداوة بينكم وبينه قديمة، فإنه ما أخرج من الجنة وطرد عن الخدمة إلا بسبب تكبره على أبيكم، وامتناعه من السجود له لما أمر به وقد أيس من الرحمة وأيس من العود إلى الجنة، وتحقق خلوده في النار فهو يجتهد على أن يخلد معه في النار بني آدم بتحسين الشرك، فإن عجز قنع بما دونه من الفسوق والعصيان، وقد حذركم مولاكم منه، وقد أعذر من أنذر، فخذوا حذركم: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة)
العجب ممن عرف ربه ثم عصاه وعرف الشيطان ثم أطاعه: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا):

رعى الله من نهوى وإن كان ما
رعي حفظنا له العهد القديم فضيعا

وصاحبت قوما كنت أنهاك عنهم
وحقك ما أبقيت للصلح موضعا

لما أهبط آدم إلى الأرض وعد العود إلى الجنة، هو ومن آمن من ذريته واتبع الرسل: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فليبشر المؤمنون بالجنة هي إقطاعهم وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل إلى محمد r: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) إنما خرج الإقطاع عمن خرج عن الطاعة، فأما من تاب وآمن فالإقطاع مردود عليه، المؤمنون في دار الدنيا في سفر جهاد يجاهدون فيه النفوس والهوى، فإذا انقضى سفر الجهاد عادوا إلى وطنهم الأول الذي كانوا فيه في صلب آدم، تكفل الله للمجاهد في سبيله أن يرده إلى وطنه بما نال من أجر أو غنيمة.
وصلت إليكم معشر الأمة رسالة من أبيكم إبراهيم مع نبيكم محمد r، قال رسول الله r: (رأيت ليلة أسري بي إبراهيم فقال: يا محمد أقرىء أمتك السلام وأخبرهم: أن الجنة عذبة الماء، طيبة التربة، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) وخرج النسائي والترمذي عن جابر رضي الله عنه، عن النبي r: من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) وخرج ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس له بكل واحدة شجرة في الجنة) وخرجه الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا، وخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة مرفوعا: (من قال سبحان الله العظيم بني له برج في الجنة) وروي موقوفا وعن الحسن قال: الملائكة يعملون لبني آدم في الجنان، يغرسون ويبنون فربما أمسكوا، فيقال لهم: قد أمسكتم ؟ فيقولون: حتى تأتينا النفقات. وقال الحسن: فأتعبوهم بأبي أنتم وأمي على العمل وقال بعض السلف: بلغني أن دور الجنة تبنى بالذكر فإذا أمسك عن الذكر أمسكوا عن البناء فيقال لهم: فيقولون: حتى تأتينا نفقة.
أرض الجنة اليوم قيعان، والأعمال الصالحة لها عمران، بها تبنى القصور وتغرس أرض الجنان، فإذا تكامل الغراس والبنيان انتقل إليه السكان.
رأى بعض الصالحين في منامه قائلا يقول له: قد أمرنا بالفراغ من بناء دارك، واسمها دار السرور، فأبشر وقد أمرنا بتنجيدها وتزيينها والفراغ منها إلى سبعة أيام، فلما كان بعد سبعة أيام مات، فرؤي في المنام فقال: أدخلت دار السرور فلا تسأل عما فيها لم ير مثل الكريم إذا حل به المطيع، رأى بعضهم كأنه أدخل الجنة وعرض عليه منازله وأزواجه، فلما أراد أن يخرج تعلق به أزواجه وقالوا له: بالله حسن عملك، فكلما حسنت عملك ازددنا نحن حسنا. العاملون اليوم يسلفون رؤوس أموال الأعمال فيما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين إلى أجل يوم المزيد في سوق الجنة فإذا حل الأجل دخلوا السوق فحملوا منه ما شاؤوا بغير نقد ثمن على ما قد سلف من تعجيل رأس مال السلف، لكن بغير مكيال ولا ميزان.
فيا من عزم أن يسلف اليوم إلى ذلك الموسم، عجل بتقبيض رأس المال، فإن تأخير التقبيض يفسد العقد، فلله ذاك السوق الذي هو موعد المزيد لوفد الحب لوكنت منهم فما شئت منه، خذ بلا ثمن له فقد أسلف التجار فيه وأسلموا، في الحديث: (إن الجنة تقول: يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر حريري، وإستبرقي وسندسي ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي، وأباريقي وخمري وعسلي ولبني، فأتني بأهلي وبما وعدتني). وفي الحديث أيضا: من سأل الله الجنة شفعت له الجنة إلى ربها وقالت: اللهم أدخله الجنة) وفي الحديث أيضا: (إن الجنة تفتح في كل سحر ويقال لها: ازدادي طيبا لأهلك، فتزداد طيبا، فذلك البرد الذي يجده الناس في السحر).
قلوب العارفين تستنشق أحيانا نسيم الجنة، قال أنس بن النضر يوم أحد: واها لريح الجنة، والله إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد، ثم تقدم فقاتل حتى قتل:

تمر الصبا صبحا بساكن ذي
الغضا ويصدع قلبي أن يهب هبوبها

قريبة عهد بالحبيب وإنما
هوى كل نفس أين حل حبيبها

كم لله من لطف وحكمه في إهباط آدم إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين واجتهاد العابدين المجتهدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين، يا آدم! إن كنت أهبطت من دار القرب: (فإني قريب أجيب دعوة الداع) إن كان حصل لك بالإخراج من الجنة كسر، فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي،إن كان حصل لك بالإخراج كسر، فانا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، إن كان فاتك في السماء سماع زجل المسبحين، فقد تعوضت في الأرض بسماع أنين المذنبين. أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم، سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده وعاد عليه وبالاً، لقن آدم حجته وألقى إليه ما تقبل به توبته: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وطرد إبليس بعد طول خدمته فصار عمله هباء منثورا: (قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) إذا وضع عدله على عبد لم تبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم تبق له سيئة.

يعطي ويمنع من يشاء كما يشا
وهباته ليست تقارنها الرشا

لما ظهر فضل آدم على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل بدون العمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، وإنما دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى رباط الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، واذرف دموع الأسف على البعاد، فكأنك بالعيش الماضي، وقد عاد على أكمل من ذلك الوجه المعتاد:

عودوا إلى الوصل عودوا
فالهجر صعب شديد

لو ذاق طعم الفراق رضوى
لكاد من وجده يميد

قد حملوني عذاب شوق
يعجز عن حمله الحديد

قلت وقلبي أسير وجد
متيم في الجفا عميد

أنتم لنا في الهوى موال
ونحن في أسركم عبيد

المجلس الثالث في قدوم الحاج
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) مباني الإسلام الخمس، كل واحد منها يكفر الذنوب والخطايا ويهدمها، ولا إله إلا الله لا تبقي ذنبا ولا يسبقها عمل، والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، والحج الذي لا رفث فيه ولا فسوق يرجع صاحبه من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقد استنبط معنى هذا الحديث من القرآن طائفة من العلماء وتأولوا قول الله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) بأن من قضى نسكه ورجع منه، فإن آثامه تسقط عنه إذا اتقى الله عز وجل في أداء نسكه، وسواء نفر في اليوم الأول من يومي النفر متعجلا أو متأخرا إلى اليوم الثاني. وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن النبي r قال: (من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) وفي الصحيحين عن النبي r قال: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) وفي صحيح مسلم عنه r قال: (الحج يهدم ما قبله).
فالحج المبرور: يكفر السيئات ويوجب دخول الجنات، وقد روي أنه r سئل عن بر الحج ؟ فقال: (إطعام الطعام وطيب الكلام) فالحج المبرور ما اجتمع فيه أعمال البر مع اجتناب أعمال الإثم، فما دعا الحاج لنفسه ولا دعا له غيره بأحسن من الدعاء بأن يكون حجه مبرورا، ولهذا يشرع للحاج إذا فرغ من أعمال حجه وشرع في التحلل من إحرامه برمي جمرة العقبة يوم النحر أن يقول: (اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا). وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر من قولهما، وروي عنهما مرفوعا، وكذلك يدعى للقادم من الحج بأن يجعل الله حجه مبرورا. وفي الأثر: أن آدم عليه السلام لما حج البيت وقضى نسكه أتته الملائكة فقالوا له: يا آدم بر حجك لقد حججنا هذا البيت بألفي عام وكذلك كان السلف يدعون لمن رجع من حجه، لما حج خالد الحذاء ورجع قال له أبوقلابة: بر العمل معناه جعل الله عملك مبرورا.
علامات الحج المبرور
للحج المبرور علامات لا تخفى، قيل للحسن: الحج المبرور جزاؤه الجنة ؟ قال: آية ذلك: أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وقيل له: جزاء الحج المغفرة ؟ قال: آية ذلك: أن يدع سيء ما كان عليه من العمل. الحج المبرور مثل حج إبراهيم بن أدهم مع رفيقه الرجل الصالح الذي صحبه من بلخ، فرجع من حجه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وخرج عن ملكه وماله وأهله وعشيرته وبلاده، واختار بلاد الغربة وقنع بالأكل من عمل يده، إما من الحصاد أومن نظارة البساتين، حج مرة مع جماعة من أصحابه فشرط عليهم في ابتداء السفر أن لا يتكلم أحدهم إلا لله تعالى، ولا ينظر إلا له، فلما وصلوا وطافوا بالبيت رأوا جماعة من أهل خراسان في الطواف معهم غلام جميل قد فتن الناس بالنظر إليه، فجعل إبراهيم يسارقه النظر ويبكي، فقال له بعض أصحابه: يا أبا إسحاق ألم تقل لنا: لا ننظر إلا لله تعالى ؟ فقال: ويحك هذا ولدي وهؤلاء خدمي وحشمي:

هجرت الخلق طرا في هواك
وأيتمت العيال لكي أراكا

فلوقطعتني في الحب إربا
لما حن الفؤاد إلى سواكا

قال بعض السلف: استلام الحجر الأسود هو أن لا يعود إلى معصية يشير إلى ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه وصافحه فكأنما صافح الله وقبّل يمينه. وقال عكرمة: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول الله r فمسح الركن فقد بايع الله ورسوله. وورد في حديث: (أن الله لما استخرج من ظهر آدم ذريته وأخذ عليهم الميثاق كتب ذلك العهد في رق، ثم استودعه هذا الحجر فمن ثم يقول: (من يستلمه وفاء بعهدك فمستلم الحجر يبايع الله على اجتناب معاصيه والقيام بحقوقه) (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) يا معاهدينا على التوبة بيننا وبينكم عهود أكيدة أولها: يوم (ألست بربكم) فقلتم بلى، والمقصود الأعظم من هذا العهد: أن لا تعبدوا إلا إياه، وتمام العمل بمقتضاه: أن اتقوا الله حق تقواه، وثانيها: يوم أرسل إليكم رسوله وأنز
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Mr-Khaled

Mr-Khaled


عدد المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 22/07/2009
الموقع : المملكة العربية السعودية
العمل/الترفيه : طالب
المزاج : عاشق

كتاب : لطائف المعارف Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : لطائف المعارف   كتاب : لطائف المعارف I_icon_minitimeالثلاثاء فبراير 23, 2010 1:30 am

كتاب : لطائف المعارف
قال أبو سليمان الداراني تبعث الحوراء من الحور الوصيف من وصائفها فتقول: ويحك انظر ما فعل بولي الله ؟ فتستبطئه، فتبعث وصيفا آخر فيأتي الأول فيقول: تركته عند الميزان، ويأتي الثاني فيقول: تركته عند الصراط، ويأتي الثالث فيقول: قد دخل باب الجنة فيستخفها الفرح، فتقف على باب الجنة، فإذا أتاها اعتنقته، فيدخل خياشيمه من ريحها ما لا يخرج أبدا.

قد أزلفت جنة النعيم فيا
طوبى لقوم بربعها نزلوا

أكوابهم عسجد يطاف بها
والخمر والسلسبيل والعسل

والحور تلقاهم وقد كشفت
عن الوجوه بها الأستار والكلل

وظيفة شهر صفر
في (الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r أنه قاللا عدوى ولا هامة ولا صفر، فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها ؟ فقال رسول الله r: فمن أعدى الأول ؟ !)
أما العدوى: فمعناها أن المرض يتعدى من صاحبه إلى من يقارنه من الأصحاء، فيمرض بذلك. وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب، ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب ؟ فقال النبي r: (فمن أعدى الأول) ومراده: أن الأول لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده. وقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس فهمها، حتى ظن بعضهم أنها ناسخة لقوله: (لا عدوى) مثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: لا يورد ممرض على مصح) والممرض: صاحب الإبل المريضة، والمصح: صاحب الإبل الصحيحة. والمراد: النهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة. ومثل قوله r: (فرّ من المجذوم فرارك من الأسد) وقوله r في الطاعون: (إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها) ودخول النسخ في هذا كما تخيله بعضهم لا معنى له، فإن قوله: (لا عدوى) خبر محض لا يمكن نسخه إلا أن يقال: هو نهي عن اعتقاد العدوى لا نفي لها، ولكن يمكن أن يكون ناسخا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها
بيان معنى لا عدوى
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنه لا نسخ في ذلك كله، ولكن اختلفوا في معنى قوله: (لا عدوى)، وأظهر ما قيل في ذلك: أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك. ويدل على هذا قوله: (فمن أعدى الأول ؟) يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله r: (لا يعدي شيء شيئا) قالها ثلاثا، فقال أعرابي: يا رسول الله النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها ؟ فقال رسول الله r: فما أجرب الأول، لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها) فأخبر أن ذلك كله بقضاء الله وقدره كما دل عليه قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها)، فأما نهيه r عن إيراد الممرض على المصح، وأمره بالفرار من المجذوم، ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى، وجعلها أسبابا للهلاك أو الأذى.والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان عافية منها، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أوفي النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذى، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم أو القدوم على بلد الطاعون. فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف. والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره. وقد روي في حديث مرسل خرجه أبو داود في مراسيله أن النبي r: مر بحائط مائل فأسرع وقال: (أخاف موت الفوات) وروي متصلا، والمرسل أصح. وهذه الأسباب التي جعلها الله أسبابا يخلق المسببات بها، كما دل عليه قوله تعالى: (حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت، فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) وقالت طائفة: إنه يخلق المسببات عندها لا بها.
وأما إذا قوي التوكل على الله تعالى والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله، ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر. ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لا سيما إذا كان مصلحة عامة أو خاصة وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبوداود والترمذي أن النبي r: أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال: (كل باسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه) وقد أخذ به الإمام أحمد، وقد روي نحو ذلك عن عمر وابنه عبد الله وسلمان رضي الله عنهم. ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه: من أكل السم. ومنه: مشى سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر. ومنه: أمر عمر رضي الله عنه لتميم حيث خرجت النار من الحرة أن يردها، فدخل إليها في الغار التي خرجت منه. فهذا كله لا يصلح إلا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره، وتوكلهم عليه وثقتهم به.
ونظير ذلك دخول المغاور بغير زاد لمن قوي يقينه وتوكله خاصة وقد نص عليه أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة. وكذلك ترك التكسب والتطبب، كل ذلك يجوز عند أحمد لمن قوي توكله. فإن التوكل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع وتدفع بها المضار، كما قال الفضيل: لو علم الله إخراج المخلوقين من قلبك لأعطاك كل ما تريد.
وبذلك فسر الإمام أحمد التوكل فقال: هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين. قيل له: فما الحجة فيه ؟ قال: قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار فعرض له جبريل عليه السلام فقال: ألك حاجة ؟ قال: أما إليك فلا.
فلا يشرع ترك الأسباب الظاهرة إلا لمن تعوض عنها بالسبب الباطن، وهو تحقيق التوكل عليه، فإنه أقوى من الأسباب الظاهرة لأهله وأنفع منها.
فالتوكل: علم وعمل، والعلم: معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع والضر وعامة المؤمنين تعلم ذلك، والعمل: هو ثقة القلب بالله وفراغه من كل ما سواه، وهذا عزيز ويختص به خواص المؤمنين.
والأسباب نوعان:
أحدهما: أسباب الخير: فالمشروع أنه يفرح بها ويستبشر ولا يسكن إليها بل إلى خالقها ومسببها، وذلك هو تحقيق التوكل على الله والإيمان به كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة: (وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله) ومن هذا الباب الاستبشار بالفأل: وهو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة، وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبب لها، وقل من فعل ذلك إلا وكل إليها وخذل، فإن جميع النعم من الله وفضله كما قال تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله) (وما بكم من نعمة فمن الله):

لا نلت خيرا ما بق
يت ولا عداني الدهر شر

إن كنت أعا أن غي
ر الله ينفع أويضر

ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسببها ومقدرها كما في الحديث الصحيح عن النبي r: (أنه صلى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: أتدرون ما قال ربكم الليلة ؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب) وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر). وهذا مما يدل على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه، فمن أضاف شيئا من النعم إلى غير الله مع اعتقاده أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع شرك خفي.
النوع الثاني: أسباب الشر: فلا تضاف إلا إلى الذنوب، لأن جميع المصائب إنما هي بسبب الذنوب كما قال تعالى: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) وقال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم). فلا تضاف إلى شيء من الأسباب سوى الذنوب: كالعدوى أو غيرها، والمشروع: اجتناب ما ظهر منها واتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة مثل: اتقاء المجذوم والمريض، والقدوم على مكان الطاعون، وأما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه، فإن ذلك من الطيرة المنهي عنها.


بيان معنى لا طيرة
والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون وقوم صالح وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون، وقد ثبت عن النبي r أنه قال (لا طيرة) وفي حديث: (من ردته الطيرة فقد قارف الشرك) وفي حديث ابن مسعود المرفوع: (الطيرة من الشرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل) والبحث عن أسباب الشر من النظر في النجوم ونحوها من الطيرة المنهي عنها، والباحثون عن ذلك غالبا لا يشتغلون بما يدفع البلاء من الطاعات، بل يأمرون بلزوم المنزل وترك الحركة، وهذا لا يمنع نفوذ القضاء والقدر ومنهم من يشتغل بالمعاصي، وهذا مما يقوي وقوع البلاء ونفوذه، والذي جاءت به الشريعة هو ترك البحث عن ذلك، والإعراض عنه والاشتغال بما يدفع البلاء من الدعاء والذكر والصدقة. وتحقيق التوكل على الله عز وجل والإيمان بقضائه وقدره.
وفي مسند ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص التقى هو وكعب فقال عبد الله لكعب: علم النجوم ؟ فقال كعب: لا خير فيه، قال عبد الله: لم؟ قال ترى فيه ما تكره- يريد الطيرة- فقال كعب: فإن مضى وقال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك ولا رب غيرك، فقال عبد الله: ولا حول ولا قوة إلا بك، فقال كعب: جاء بها عبد الله، والذي نفسي بيده: إنها لرأس التوكل، وكنز العبد في الجنة، ولا يقولهن عبد عند ذلك ثم يمضي ألا لم يضره شيء. قال عبد الله: أرأيت إن لم يمض وقعد ؟ قال: طعم قلبه طعم الإشراك.
وفي مراسيل أبي داود أن النبي r قال: (ليس عبد إلا سيدخل قلبه طيرة، فإذا أحس بذلك فليقل: أنا عبد الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يذهب السيئات إلا الله، أشهد أن الله على كل شيء قدير ثم يمضي لوجهه).
وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر مرفوعا: (من رجعته الطيرة من حاجته فقد أشرك وكفارة ذلك أن يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك). وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عروة بن عامر القرشي قال: ذكرت الطيرة عند النبي r فقال: (أحسنها الفأل ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك) وخرجه أبو القاسم البغوي وعنده: (ولا تضر مسلما).
وفي صحيح ابن حبان عن أنس رضي الله عنه عن النبي r قال: (لا طيرة، والطيرة على من تطير) وقال النخعي قال عبد الله بن مسعود: لا تضر الطيرة إلا من تطير.ومعنى هذا أن من تطير تطيرا منهيا عنه وهو أن يعتمد على ما يسمعه أو يراه مما يتطير به حتى يمنعه مما يريد من حاجته، فإنه قد يصيبه ما يكرهه فأما من توكل على الله ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفا ورجاء وقطعه عن الإلتفات إلى هذه الأسباب المخوفة، وقال ما أمر به من هذه الكلمات ومضى فإنه لا يضره ذلك.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا سمع نعق الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك. ولذلك أمر النبي r عند انعقاد أسباب العذاب السماوية المخوفة كالكسوف بأعمال البر من الصلاة والدعاء والصدقة والعتق حتى يكشف ذلك عن الناس) وهذا كله مما يدل على أن الأسباب المكروهة إذا وجدت فإن المشروع الاشتغال بما يوحي به دفع العذاب المخوف منها من أعمال الطاعات والدعاء، وتحقيق التوكل على الله والثقة به فإن هذه الأسباب كلها مقتضيات لا موجبات ولها موانع تمنعها.
فأعمال البر والتقوى والدعاء والتوكل من أعظم ما يستدفع به، ومن كلام بعض الحكماء المتقدمين: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بأقنان اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات، وهذا على زعمهم واعتقادهم في الأفلاك. وأما اعتقاد المسلمين: فإن الله وحده هو الفاعل لما يشاء ولكنه يعقد أسبابا للعذاب وأسبابا للرحمة، فأسباب العذاب يخوف الله بها عباده ليتوبوا إليه ويتضرعوا إليه، مثل: كسوف الشمس والقمر فإنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، لينظر من يحدث له توبة؟ فدل على أن كسوفهما سبب يخشى منه وقوع عذاب. وقد أمرت عائشة رضي الله عنها: أن تستعيذ من شر القمر وقال: الغاسق إذا وقب وقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شر غاسق إذا وقب). وهو الليل إذا أظلم فإنه ينتشر فيه شياطين الجن والإنس. والاستعاذة من القمر لأنه آية الليل. وفيه إشارة إلى أن شر الليل المخوف لا يندفع بإشراف القمر فيه ولا يصير بذلك كالنهار، بل يستعاذ منه وإن كان مقمرا.
وخرج الطبراني من حديث جابر مرفوعا: لا تسبوا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر ولا الريح فإنها رحمة لقوم وعذاب لآخرين) ومثل اشتداد الرياح فإن الريح كما قاله r: من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، وكان r إذا اشتدت الريح أن يسأل الله تعالى خيرها وخير ما أرسلت به ويستعاذ به من شرها وشر ما أرسلت به) وقد كان النبي r إذا رأى ريحا أوغيما تغير وجهه وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه ويقول: (قد عذب قوم بالريح) ورأى قوم السحاب (فقالوا هذا عارض ممطرنا).
وأسباب الرحمة يرجى بها عباده مثل: الغيم الرطب والريح الطيبة، ومثل المطر المعتاد عند الحاجة إليه. ولهذا يقال عند نزوله: اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب.
وأما من اتقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها، فإنه لا ينفعه ذلك غالبا كمن ردته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطير به، فإنه كثيرا ما يصاب بما خشي منه كما قال ابن مسعود ودل عليه حديث أنس المتقدم، وكمن اتقى الطاعون الواقع في بلده بالفرار منه، فإنه قل أن ينجيه ذلك وقد فر كثير من المتقدمين والمتأخرين من الطاعون فأصابهم ولم ينفعهم الفرار، وقد قال الله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) وقد ذكر كثير من السلف: أنهم كانوا قد فروا من الطاعون فأصابهم. وفر بعض المتقدمين من طاعون وقع فيما بينما هو يسير بالليل على حمار له إذ سمع قائلا يقول:

إن يسبق الله على حمار
ولا على منعة مطار

أو يأتي الحتف على مقدار
قد يصبح الله أمام الساري

فأصابه الطاعون، فمات.
بيان معنى لا هامة
وأما قوله r: (لا هامة) فهو: نفي لما كانت الجاهلية تعتقده أن الميت إذا مات صارت روحه أو عظامه هامة: وهو طائر يطير وهو شبيه باعتقاد أهل التناسخ: أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور. وكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها، ولكن الذي جاءت بها الشريعة: أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة، وترد من أنهار الجنة إلى أن يردها الله إلى أجسادها. وروي أيضا أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة.
وأما قوله r: (ولا صفر) فاختلف في تفسيره فقال كثير من المتقدمين: الصفر: داء في البطن يقال: إنه دود فيه كبار كالحيات وكانوا يعتقدون أنه يعدي فنفى ذلك النبي r. وممن قال هذا من العلماء: ابن عيينة والإمام أحمد وغيرهما، ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلا في قوله: (لا عدوى) وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام، وخصه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى، وقالت طائفة: بل المراد بصفر شهر ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:
أحدهما: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، فكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه، وهذا قول مالك.
والثاني: أن المراد أن أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر ويقولون: إنه شهر مشئووم; فأبطل النبي r ذلك. وهذا حكاه أبو داود عن محمد بن راشد المكحولي عمن سمعه يقول ذلك، ولعل هذا القول أشبه الأقوال وكثير من الجهال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه. والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء وقد روي أنه: (يوم نحس مستمر) في حديث لا يصح، بل في المسند عن جابر رضي الله عنه أن النبي r: دعا على الأحزاب يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر) قال جابر: فما نزل بي أمر مهم غائظ إلا توخيت ذلك الوقت فدعوت الله فيه الإجابة أو كما قال.
وكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة وقد قيل: إن أصله أن طاعونا وقع في شوال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس فتشاءم بذلك أهل الجاهلية. وقد ورد الشرع بإبطاله (قالت عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله r في شوال وبنى بي في شوال فأي نسائه كان أحظى عنده مني) وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال وتزوج النبي r أم سلمة في شوال أيضا
فأما قول النبي r: (لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة) خرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي r فقد اختلف الناس في معناه أيضا فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت هذا الحديث أن يكون من كلام النبي r وقالت: إنما قال: كان أهل الجاهلية يقولون ذلك خرجه الإمام أحمد وقال معمر سمعت من يفسر هذا الحديث يقول: شؤم المرأة: إذا كانت غير ولود وشؤم الفرس: إذا لم يكن يغزى عليه في سبيل الله وشؤم الدار: جار السوء وروي هذا المعنى مرفوعا من وجوه لا تصح ومنهم من قال قد روي عن النبي r أنه قال: (لا شؤم وإن يكن اليمن في شيء ففي ثلاثة) فذكر هذه الثلاثة وقال هذه الرواية أشبه بأصول الشرع كذا قاله ابن عبد البر ولكن إسناد هذه الرواية لا يقاوم ذلك الإسناد
والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث: ما ذكرناه في النهي عن إيراد المريض على الصحيح، والفرار من المجذوم، ومن أرض الطاعون، إن هذه الثلاث أسباب قدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه ،ولهذا يشرع لمن استعاد زوجة أو أمة أو دابة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جلبت عليه، ويستعيذ به تعالى من شرها وشر ما جبلت عليه، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي r الذي خرجه أبو داود وغيره، وكذا ينبغي لمن سكن دارا أن يفعل ذلك، وقد أمر النبي r قوما سكنوا دارا فقل عددهم وقل مالهم أن يتركوها ذميمة فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابة غير منهي عنه، وكذلك من أتجر في شيء فلم يربح فيه ثلاث مرات فإنه يتحول عنه. روى ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قال: من بورك له في شيء فلا يتغير عنه، ففي المسند وسنن ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاإذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له)
وأما تخصيص الشؤم. بزمان دون زمان، كشهر صفر أو غيره فغير صحيح، وإنما الزمان كله خلق الله تعالى، وفيه تقع أفعال بني آدم فكل زمان شغله المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه، وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو مشؤوم عليه، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا كان الشؤم في شيء ففيما بين اللحيين ـ يعني اللسان ـ وقال: ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. وقال عدي بن حاتم: أيمن أمر بي وأشأمه بين لحييه يعني لسانه . وفي مسند أبي داود عن النبي r قال: (حسن الملكة نماء وسوء الملكة شؤم والبر زيادة في العمر والصدقة تمنع ميتة السوء) فجعل سوء الملكة شؤما وفي حديث آخر: (لا يدخل الجنة سيء الملكة) وهو من يسيء إلى مماليكه ويظلمهم
وفي الحديث: (إن الصدقة تدفع ميتة السوء) وروي من حديث علي مرفوعا: (باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها) خرجه الطبراني، وفي حديث آخر: (إن لكل يوم نحسا فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة). فالصدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه وكذلك الدعاء، وفي الحديث: (إن البلاء والدعاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان إلى يوم القيامة) خرجه البزار والحاكم وخرج في الترمذي من حديث سلمان: (لا يرد القضاء إلا بالدعاء) وقال ابن عباس: لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر، وعنه قال: الدعاء يدفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر، وهذا كقول النبي r لما سئل عن الأدوية والرقى، هل ترد من قدر الله شيئا ؟ قال: (هي من قدر الله تعالى) وكذلك قال عمر رضي الله عنه لما رجع من الطاعون فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله فإن الله تعالى قدر المقادير، ويقدر ما يدفع بعضها قبل وقوعه، وكذلك الأذكار المشروعة تدفع البلاء، وفي حديث عثمان رضي الله عنه عن النبي rمن قال حين يصبح ويمسي: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم لم يصبه بلاء)، وفي المسند عن عائشة رضي الله عنها عن النبي r قال: (الشؤم سوء الخلق) وخرجه الخرائطي ولفظه: (اليمن حسن الخلق) وفي الجملة: فلا شؤم إلا المعاصي والذنوب، فإنها تسخط الله عز وجل فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة كما إنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة. قال بعض الصالحين وقد شكي بلاء وقع في الناس فقال: ما أرى ما أنتم فيه إلا بشؤم الذنوب، وقال أبو حازم: كل ما يشغلك عن الله من أهل أو مال أو ولد فهو عليك مشؤوم وقد قيل:

فلا كان ما يلهي عن الله أنه
يضر ويؤذى إنه لمشؤوم

فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله، واليمن هو طاعة الله وتقواه، كما قيل:

إن رأيا دعا إلى طاعة
الله لرأى مبارك ميمون

والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك وكذلك مخالطة أهل المعاصي ومن يحسن المعصية ويزينها ويدعو إليها من شياطين الإنس وهم أضر من شياطين الجن قال بعض السلف: شيطان الجن نستعيذ بالله منه فينصرف وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية وفي الحديث: (يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) وفي حديث آخر: (لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) ومما يروى لعلي رضي الله عنه:

فلا تصحب أخا الجهـ
ل وإياك وإياه

فكم من جاهل أردى
حكيما حين آخاه

يقاس المرء بالمر
ء إذا ما المرء ماشاه

وللشيء على الشي
ء مقاييس وأشباه

ولقلب على القلـ
ب دليل حين يلقاه

فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره، فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس خصوصا من لم ينكر عليه عمله، فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عموما وكذلك أماكن المعاصي وعقوباتها يتعين البعد عنها والهرب منها خشية نزول العذاب كما قال النبي r لأصحابه لما مر على ديار ثمود بالحجر: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خشية أن يصيبكم ما أصابهم) ولما تاب الذي قتل مائة نفس من بني إسرائيل، وسأل العالم: هل له من توبة ؟ قال له: نعم، فأمره أن ينتقل من قرية السوء إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت بينهما، فاختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إليهم أن قيسوا بينهما فإلى أيهما كان أقرب فألحقوه بها، فوجدوه إلى القرية الصالحة أقرب برمية حجر، فغفر له.
هجران أماكن المعاصي وأخواتها من جملة الهجرة المأمور بها، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، قال إبراهيم بن أدهم: من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة من كان يخالطه وإلا لم ينل ما يريد.
احذروا الذنوب فإنها مشؤومة عواقبها ذميمة، وعقوباتها أليمة، والقلوب المحبة لها سقيمة، السلامة منها غنيمة، والعافية منها ليس لها قيمة، والبلية بها لا سيما بعد نزول الشيب داهية عظيمة.

طاعة الله خير ما اكتسب العبـ
د فكن طائعا لله لا تعصينه

ما هلاك النفوس إلا المعاصي
فاجتنب ما نهاك لا تقربنه

إن شيئا هلاك نفسك فيه
ينبغي أن تصون نفسك عنه

يا من ضاع قلبه انشده في مجالس الذكر عسى أن تجده، يا من مرض قلبه احمله إلى مجلس الذكر لعله أن يعافى، مجالس الذكر مارستان الذنوب، تداوي فيها أمراض القلوب كما تداوي أمراض الأبدان، في مارستان الذكر نزه لقلوب المؤمنين يتنزه فيها بسماع كلام الحكمة كما يتنزه أبصار أهل الدنيا في رياضها وبساتينها. مجلسنا هذا خضرة في روضة الخشوع، طعامنا فيه الجوع، وشرابنا فيه الدموع، ونقلنا هذا الكلام المسموع نداوي فيه أمراضا أعيت جالينوس وبختيشوع، نسقي فيه ترياق الذنوب وفاروق المعاصي، فمن شرب لم يكن له إلى المعصية رجوع كم أفاق فيه من المعصية مصروع، وبريء فيه من الهوى ملسوع، ووصل فيه إلى الله مقطوع، ما عيبه إلا أن الطبيب الذي له لو كان يستعمل ما يصف للناس لكان إلى قوله المرجوع.
يا ضيعة العمر إن نجا السامع وهلك المسموع، يا خيبة المسعى إن وصل التابع وانقطع المتبوع.

وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي الناس وهو سقيم

يا أيها الرجل المقوم غيره
هلا لنفسك كان ذا التقويم

ابدأ بنفسك فأنهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل ما تقول ويقتدى
بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم


غيره:

كم ذا التمادي فها قد جاءنا
صفر شهر به الفوز والتوفيق والظفر

فابدأ بما شئت من فعل تسر به
يوم المعاد ففيه الخير ينتظر

توبوا إلى الله فيه من ذنوبكم
من قبل يبلغ فيكم حده العمر

الكلام على أن النبي كان نبيا قبل أن يخلق
وظائف شهر ربيع الأول ويشتمل على مجالس:
المجلس الأول: في ذكر مولد سيدنا رسول الله r .
خرج الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه، عن النبي r قال: إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يرين) وخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقد روي معناه من حديث أبي أمامة الباهلي ومن وجوه أخر مرسلة. المقصود من هذا الحديث أن نبوة النبي r كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله ويخرجه إلى دار الدنيا حيا. وأن ذلك كان مكتوبا في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم عليه السلام، وفسر أم الكتاب باللوح المحفوظ وبالذكر في قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سأل كعبا عن أم الكتاب ؟ فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون فقال لعلمه: كن كتابا فكان كتابا. ولا ريب أن علم الله عز وجل قديم أزلي، لم يزل عالما بما يحدثه من مخلوقاته، ثم إنه تعالى كتب ذلك في كتاب عنده قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير).
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، عن النبي r قال: (كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي r قال: إن الله كنب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)
ومن جملة ما كتبه في هذا الذكر وهو (أم الكتاب): أن محمدا خاتم النبيين، ومن حينئذ انتقلت المخلوقات من مرتبة العلم إلى مرتبة الكتابة، وهو نوع من أنواع الوجود الخارجي، ولهذا قال سعيد بن راشد سألت عطاء: هل كان النبي r نبيا قبل أن يخلق ؟ قال: إي والله وقبل أن تخلق الدنيا بألفي عام. خرجه أبو بكر الآجري. في كتاب الشريعة وعطاء ـ الظاهر أنه ـ الخرساني وهذا إشارة إلى ما ذكرنا من كتابة نبوته r في أم الكتاب عند تقدير المقادير وقوله r في هذا الحديث: (إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته) ليس المراد به والله أعلم أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين وإنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبا في أم الكتاب في تلك الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق من النوع الإنساني وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحال وجبت له النبوة وهذه مرتبة ثالثة وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العيني الخارجي فإنه r استخرج حينئذ من ظهر آدم ونبىء فصارت نبوته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدرة في أم الكتاب ففي (حديث ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: وآدم بين الروح والجسد) خرجه الإمام أحمد والحاكم
قال الإمام أحمد في رواية مهنا: وبعضهم يرويه: متى كتبت نبيا ؟ من الكتابة فإن صحت هذه الرواية حملت مع حديث العرباض بن سارية على وجوب نبوته وثبوتها وظهورها في الخارج فإن الكتابة إنما تستعمل فيما هو واجب: إما شرعا كقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) أو قدرا كقوله تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) و(في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r أنهم قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة ؟ قال: وآدم بين الروح والجسد) خرجه الترمذي وحسنه وفي نسخه صححه وخرجه الحاكم وروى ابن سعد من (رواية جابر الجعفي عن الشعبي قال: قال رجل للنبي r: متى استنبئت ؟ قال: وآدم بين الروح والجسد حيث أخذ مني الميثاق) وهذه الرواية تدل على أنه r حينئذ استخرج من ظهر آدم ونبىء وأخذ ميثاقه فيحتمل أن يكون ذلك دليلا على أن استخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم كان قبل نفخ الروح في آدم وقد روي هذا عن سلمان الفارسي وغيره من السلف ويستدل له أيضا بظاهر قوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) على ما فسره به مجاهد وغيره: أن المراد: إخراج ذرية آدم من ظهره قبل أمر الملائكة بالسجود له ولكن أكثر السلف على أن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه وعلى هذا يدل أكثر الأحاديث فتحمل على هذا أن يكون محمد r خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه فإن محمدا r هو المقصود من خلق النوع الإنساني وهو عينه وخلاصته وواسطة عقده فلا يبعد أن يكون أخرج من ظهر آدم عند خلقه قبل نفخ الروح فيه
ذكر فضل النبي r من لدن آدم عليه السلام
وقد روي: أن آدم عليه الصلاة والسلام رأى اسم محمد r مكتوبا على العرش وأن الله عز وجل قال لآدم: (لولا محمد ما خلقتك) وقد خرجه الحاكم في صحيحه فيكون حينئذ من حين صور آدم طينا استخرج منه محمد r ونبىء وأخذ منه الميثاق ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى خرج في وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه ويشهد لذلك ما روي عن قتادة أن النبي r قال: كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث) وفي رواية: (أول الناس في الخلق) خرجه ابن سعد وغيره وخرجه الطبراني من رواية قتادة عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا والمرسل أشبه وفي رواية عن قتادة مرسلة: ثم تلا: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) فبدأ به قبل نوح الذي هو أول الرسل فمحمد r أول الرسل خلقا وآخرهم بعثا، فإنه استخرج من ظهر آدم لما صور، ونبىء حينئذ وأخذ ميثاقه، ثم أعيد إلى ظهره، ولا يقال: فقد خلق آدم قبله لأن آدم حينئذ كان مواتا لا روح فيه ومحمد r كان حيا حين استخراج ونبىء وأخذ ميثاقه فهو أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا فهو خاتم النبيين باعتبار أن زمانه تأخر عنهم فهو: المقفى والعاقب الذي جاء عقب الأنبياء ويقفوهم قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه عن النبي r قال: مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويعجبون منها ويقولون لولا موضع اللبنة) زاد مسلم قال: (فجئت فختمت الأنبياء) وفيهما أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r معناه وفيه: فجعل الناس يطوفون به ويقولون: هلا وضعت اللبنة ؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين).
وقد استدل الإمام أحمد بحديث العرباض بن سارية هذا على أن النبي r لم يزل على التوحيد منذ نشأ ورد بذلك على من زعم غير ذلك، بل قد يستدل بهذا الحديث على أنه r ولد نبيا، فإن نبوته وجبت له من حين أخذ الميثاق منه حين استخرج من صلب آدم، فكان نبيا من حينئذ، لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه نبيا قبل خروجه، كمن يولى ولاية ويؤمر بالتصرف فيها في زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته، وإن كان تصرفه يتأخر إلى حين مجيء الوقت.
قال حنبل: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد: من زعم أن النبي كان على دين قومه قبل أن يبعث!؟ قال: هذا قول سوء، ينبغي لصاحب هذه المقالة أن يحذر كلامه ولا يجالس. قلت له: إن جارنا الناقد أبا العباس يقول هذه المقالة ؟ قال: قاتله الله وأي شيء أبقى إذا زعم أن النبي r كان على دين قومه وهم يعبدون الأصنام، قال الله تعالى حاكيا عن عيسى عليه السلام: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) قلت له: وزعم أن خديجة كانت على ذلك حين تزوجها النبي r في الجاهلية قال: أما خديجة فلا أقول شيئا، قد كانت أول من آمن به من النساء، ثم قال: ماذا يحدث الناس من الكلام ! هؤلاء أصحاب الكلام لم يفلح ـ سبحان الله ـ لهذا القول، واحتج في ذلك بكلام لم أحفظه.
ذكر رؤيا أمه r حين ولادته
وذكر أن أمه حين ولدت رأت نورا أضاء له قصور الشام، أو ليس هذا عندما ولدت رأت هذا، وقبل أن يبعث كان طاهرا مطهرا من الأوثان، أو ليس كان لا يأكل لما ذبح على النصب، ثم قال: (احذروا الكلام فإن أصحاب الكلام أمرهم لا يؤول إلى خير) خرجه أبوبكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب السنة.
ومراد الإمام أحمد الاستدلال بتقدم البشارة بنبوته من الأنبياء الذين قبله، وبما شوهد عند ولادته من الآيات على أنه كان نبيا من قبل خروجه إلى الدنيا وولادته، وهذا هو الذي يدل عليه حديث العرباض بن سارية هذا، فإنه r ذكر فيه أن نبوته كانت حاصلة من حين آدم منجدلا في طينته، والمراد بالمنجدل: الطريح الملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه، ويقال للقتيل: إنه منجدل لذلك ثم استدل r على سبق ذكره والتنويه باسمه ونبوته وشرف قدره لخروجه إلى الدنيا بثلاث دلائل.
ثلاث دلائل على سبق ذكر النبي r والتنويه باسمه ونبوته
الدليل الأول: دعوة أبيه إبراهيم عليه السلام وأشار إلى ما قص الله في كتابه عن إبراهيم وإسماعيل لأنهما قالا عند بناء البيت الذي بمكة: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) فاستجاب الله دعاءهما وبعث في أهل مكة منهم رسولا بهذه الصفة من ولد إسماعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم عليهما السلام بهذا الدعاء وقد امتن الله تعالى على المؤمنين ببعثه لهذا النبي منهم على هذه الصفة التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل قال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) وقال سبحانه: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ومعلوم أنه لم يبعث من مكة رسول فيهم بهذه الصفة غير محمد r وهو ولد إسماعيل كما أن أنبياء بني إسرائيل من ولد إسحاق وذكر تعالى: أنه من على المؤمنين بهذه الرسالة فليس لله نعمة أعظم من إرسال محمد r يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وقوله في الأميين والمراد بهم العرب: تنبيه لهم على قدر هذه النعمة وعظمها حيث كانوا أميين لا كتاب لهم وليس عندهم شيء من آثار النبوات، كما كان عند أهل الكتاب فمن الله عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب حتى صاروا أفضل الأمم وأعلمهم وعرفوا ضلالة من ضل من الأمم قبلهم.
وفي كونه منهم فائدتان:
إحداهما: أن هذا الرسول كان أيضا أميا كأمته المبعوث إليهم لم يقرأ كتابا قط ولم يخطه بيمينه كما قال تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) الآيات ولا خرج عن ديار قومه فأقام عند غيرهم حتى تعلم منهم شيئا بل لم يزل أميا بين أمة أمية لا يكتب، ولا يقرأ حتى كمل الأربعين من عمره ثم جاء بعد ذلك بهذا الكتاب المبين وهذه الشريعة الباهرة، وهذا الدين القيم الذي اعترف حذاق أهل الأرض ونظارهم أنه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه وفي هذا برهان ظاهر على صدقه.
والفائدة الثانية: التنبيه على أن المبعوث منهم ـ وهم الأميون خصوصا أهل مكة ـ يعرفون نسبه وشرفه وصدقه وأمانته وعفته، وأنه نشأ بينهم معروفا بذلك كله، وأنه لم يكذب قط فكيف كان يدع الكذب على الناس ثم يفتري الكذب على الله عز وجل، فهذا هو الباطل ولذلك سأل هرقل عن هذه الأوصاف، واستدل بها على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة.
وقوله تعالى: (يتلو عليهم آياته) يعني يتلو عليهم ما أنزله الله عليه من آياته المتلوة وهو القرآن وهو أعظم الكتب السماوية وقد تضمن من العلوم والحكم والمواعظ والقصص والترغيب والترهيب وذكر أخبار من سبق وأخبار ما يأتي من البعث والنشور والجنة والنار ما لم يشتمل عليه كتاب غيره حتى قال بعض العلماء، لو أن هذا الكتاب وجد مكتوبا في مصحف في فلاة من الأرض ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف ذلك فكيف إذا جاء على يدي أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم وقال إنه كلام الله وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا فيه فكيف مع هذا شك ولهذا قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) وقال: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) فلو لم يكن لمحمد r من المعجزات الدالة على صدقه غير هذا الكتاب لكفاه، فكيف وله من المعجزات الأرضية والسماوية مالا يحصى؟.
وقوله: (ويزكيهم): يعني إنه يزكي قلوبهم ويطهرها من أدناس الشرك والفجور والضلال، فإن النفوس تزكوا إذا طهرت من ذلك كله ومن زكت نفسه فقد أفلح كما قال تعالى: (قد أفلح من زكاها) وقال: (قد أفلح من تزكى) وقوله: (ويعلمهم الكتاب والحكمة): يعني بالكتاب: القرآن والمراد ويعلمهم تلاوة ألفاظه ويعني بالحكمة: فهم معاني القرآن والعمل بما فيه فالحكمة هي: فهم القرآن والعمل به فلا يكفي بتلاوة ألفاظ الكتاب حتى يعلم معناه ويعمل بمقتضاه، فمن جمع له ذلك كله فقد أوتي الحكمة قال تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) قال الفضيل: العلماء كثير والحكماء قليل.
وقال: الحكماء ورثة الأنبياء فالحكمة هي العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح وهو نور يقذف في القلب يفهم بها معنى العلم المنزل من السماء، ويحض على اتباعه والعمل به ومن قال الحكمة: السنة فقوله الحق، لأن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه وتحض على اتباعه والعمل به، فالحكيم هو العالم المستنبط لدقائق العلم المنتفع بعلمه بالعمل به.
ولأبي العتاهية:

وكيف تحب أن تدعى حكيما
وأنت لكل ما تهوى ركوب

وتضحك دائبا ظهرا لبطن
وتذكر ما عملت فلا تتوب

قوله تعال: (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) إشارة إلى ما كان الناس عليه قبل إنزال هذا الكتاب من الضلالو، فإن الله نظر حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب تمسكوا بدينهم الذي لم يبدل ولم يغير، وكانوا قليلا جدا، فأما عامة أهل الكتاب فكانوا قد بدلوا كتبهم وغيروها وحرفوها، وأدخلوا في دينهم ما ليس منه فضلوا وأضلوا، وأما غير أهل الكاتب فكانوا على ضلال بين، فالأميون أهل شرك يعبدون الأوثان، والمجوس يعبدون النيران ويقولون بإلهين اثنين، وكذلك غيرهم من أهل الأرض منهم من كان يعبد النجوم ومنهم من كان يعبد الشمس أو القمر، فهدى الله المؤمنين بإرسال محمد r إلى ما جاء به من الهدى والدين الحق، وأظهر الله دينه حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فظهرت فيها كلمة التوحيد، والعمل بالعدل بعد أن كانت الأرض كلها ممتلئة من الشرك والظلم،.
فالأميون هم العرب والآخرون الذي لم يلحقوا بهم هم أهل فارس والروم، فكانت أهل فارس مجوسا والروم نصارى، فهدى الله جميع هؤلاء برسالة محمد r إلى التوحيد وقد رؤي الإمام بعد موته في المنام، فسئل عن حاله فقال: لولا النبي لكنا مجوسا قال: فإن أهل العراق لولا رسالة محمد r لكانوا مجوسا، وأهل الشام ومصر والروم لولا رسالة محمد r لكانوا نصارى، وأهل جزيرة العرب لولا رسالة محمد r لكانوا مشركين عباد أوثان، ولكن رحم الله عباده بإرسال محمد r فأنقذهم من الضلال، كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ولهذا قال تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله، فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها فبذلك تتم النعمة.
فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو إمام الحنفاء المأمور محمد r ومن قبله من الأنبياء والإقتداء به وهو الذي جعله للناس إماما، وقد دعا هو وابنه إسماعيل بأن يبعث الله في أهل مكة رسولا منهم موصوفا بهذه الأوصاف فاستجاب الله لهما وجعل هذا النبي مبعوثا فيهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم كما دعيا بذلك وهو النبي الذي أظهر دين إبراهيم الحنيف بعد اضمحلاله وخفائه على أهل الأرض، فلهذا كان أولى الناس بإبراهيم كما قال تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) وقال r: (إن لكل نبي وليا من المؤمنين وأنا ولي إبراهيم) ثم تلا هذه الآية، وكان r أشبه ولد إبراهيم به صورة ومعنى، حتى إنه أشبهه في خلة الله تعالى فقال: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا).
والثاني بشارة عيسى به: وعيسى آخر أنبياء بني إسرائيل، وقد قال تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وقد كان المسيح عليه الصلاة والسلام يحض على اتباعه ويقول: إنه يبعث السيف فلا يمنعنكم ذلك منه، وروي عنه أنه قال: سوف أذهب أنا ويأتي الذي بعدي لا يتحمدكم بدعواه، ولكن يسل السيف فتدخلونه طوعا وكرها، وفي المسند عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي r: إن الله عز وجل أوحى إلى عيسى عليه السلام أني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال: يا رب كيف هذا ولا حلم ولا علم ؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي) قال ابن إسحاق حدثني بعض أهل العلم: أن عيسى بن مريم عليه السلام قال: إن أحب الأمم إلى الله عز وجل لأمة أحمد، قيل له: وما فضلهم الذي تذكر ؟ قال: لم تذلل لا إله إلا الله على ألسن أمة من الأمم تذليلها على ألسنتهم.
الثالث: مما دل على نبوته قبل ظهوره: رؤيا أمه التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وذكر أن أمهات النبيين كذلك يرين والرؤيا هنا إن أريد بها رؤيا المنام فقد روي أن آمنة بنت وهب رأت في أول حملها بالنبي r أنها بشرت بأنه يخرج منها عند ولادتها نور يضيء له قصور الشام وروى الطبراني بإسناده عن أبي مريم الكندي عن النبي r أنه سئل: أي شيء كان أول من أمر نبوتك ؟ قال: أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم وتلا: (ومنك ومن نوح) الآية وبشرى المسيح عيسى بن مريم ورأت أم رسول الله r في منامها أنه خرج من بين يديها سراج أضاءت لها من قصور الشام ثم قال: ووراء ذلك قريتين أوثلاثا) وإن أريد بها رؤية عين كما قال ابن عباس في قول الله عز وجل: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) إنها رؤية عين أريها النبي r ليلة أسري به فقد روى أن أمه رأت ذلك عند ولادة النبي r قال ابن إسحاق: كانت آمنة بنت وهب تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله r فقيل لها إنك حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وآية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام فإذا وقع فسميه محمدا فإن اسمه في التوراة أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في الإنجيل أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في القرآن محمد وذكر ابن سعد عن الواقدي بأسانيد له متعددة: أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به تعني النبي r فما وجدت له مشقة حتى وضعته فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ثم وقع إلى الأرض معتمدا على يديه ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء وفي حديث بعضهم: وقع جاثيا على ركبتيه وخرج معه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأت أعناق الإبل ببصرى رافعا رأسه إلى السماء وروى البيهقي بإسناده عن عثمان بن أبي العاص حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله r ليلة ولدته قالت: فما شيء أنظر إليه إلا نور وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى أني لأقول ليقعن علي)
وخرج الإمام أحمد من حديث عتبة بن عبد السلمي عن النبي r: أن أمه قالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام) وروى ابن إسحاق عن جهم بن أبي جهم عن عبد الله بن جعفر عمن حدث عن سليمة أم النبي r التي أرضعته أن آمنة بنت وهب حدثتها أنها قالت: إني حملت به فلم أر حملا قط كان أخف علي منه ولا أعظم بركة منه لقد رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت له أعناق الإبل ببصرى) وخروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وزال به ظلمة الشرك منها كما قال تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) وقال تعالى: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) وفي هذا المعنى يقول العباس في أبياته المشهورة السائرة:

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض

وضاءت بنورك الأفق

فنح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب : لطائف المعارف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نجوم ديزنى :: عوالم اخرى :: المنتدى الدينى-
انتقل الى: